Akhbaar ManbarZahriraIl7Or Leqaaat MenIlTareekh Shakhseya Alreyatheya Mo2asasaat Al Arsheef Alra2eseya

من اوراق توما توماس

زهريرا
كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق . وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته …
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.

أوراق توما توماس ( 25 )
¤ معركة سينا
بعد الانتهاء من تلك الجولة ، تقرر إستدعاء الرفاق الى المقر، عدا السرية الرابعة التي تشكلت بعد تلك العملية ويقودها الرفيق لازار ميخو ( ابو نصير ) ومستشارها السياسي سلام صبري (ابو امجد ) للتحرك في منطقة القائدية ، بعد تعزيزها بأنصار من ابناء المنطقة .
واستمرت السرية الرابعة بنشاطاتها في منطقة المزوري (1) ملتقية بأعداد متزايدة من اهالي قرى القائدية. يوم 18/1/1982 كانت السرية بكاملها تقضي ليلتها في قرية (سينا) حيث تجمع الانصار للنوم في مدرسة القرية الواقعة في الجهة الشرقية .
وفي فجر يوم 19/1/1982 تسلل فوج من الجيش من جنوب القرية عن طريق (شيخ خدر) ليسيطر على المنافذ الغربية للقرية دون ان يشعر الانصار بأية حركة غريبة. وفي خطوة من أجل استكمال تطويق القرية، مرت مجموعة عسكرية من الجيش امام المدرسة. وكان يقوم بمهمة الحرس الخفر الرفيق محمد حسين راشد(2)، فما ان لمح هؤلاء الأفراد دون ان يستطيع تمييزهم بسبب الظلام ، حتى نادى عليهم مستفسرا بالكلمات المعتادة … من انتم ؟؟
رد عليه الضابط بشتيمة رافقها اطلاق النار بأتجاه الرفيق. وفي الحال خرج الرفيق رافد اسحق حنونة (حكمت )(3) واطلق بإتجاههم قذيفة RBG7. وبسبب انكشاف موقعه اثر الانارة التي تتركها القاذفة، فقد إنهال الرصاص عليه فخر جريحاً. وتمكن جميع الانصار خلال دقائق من مغادرة مبنى المدرسة وتحصنوا على السفح الشرقي للجبل المقابل للقوة العسكرية. وفي مسعى للإنسحاب، حمل الرفيقان ابو رستم (4) وعايد (5) رفيقهم الجريح على ظهر حمار حصلوا عليه من القرية، وتوجهوا نحو الجهة الشرقية الجنوبية من القرية ، ليقعوا في كمين محكم استشهد على اثر الصدام معه الرفيقان حكمت وعايد.

هكذا كانت البدايات، صعبة وقاسية جدا. فقد فرض على الانصار خوض معارك ضارية مع قطعات عسكرية مدربة بشكل نظامي ، في وقت كان الانصار لا يزالون لا يتقنون فنون القتال بسبب حداثة انخراطهم في العمل العسكري. ويمكن القول ان مجمل خسائرنا نجمت عن قلة الخبرة وعن عدم الالتزام بالضوابط والارشادات.

¤ مفارز لاستطلاع منطقة الدشت
بعد تأسيس قاعدة بهدينان 1979 تشكلت اولى نواة للجنة المحلية في نينوى، وتكونت من الرفاق خديده حسين (ابو داود) وناظم وابو ايفان (6).
وفي ربيع عام 1980، تشكلت اول مفرزة استطلاعية لمنطقة الدشت بقيادة الرفيق علي خليل (ابوماجد)، حيث تمكنت من الوصول الى الدشت (السهل)، وتوزعت على ثلاثة محاور : القوش - بحزاني - دوغات .
وكان الرفاق يختفون نهارا في كهف في "كنود دوغات"، ليدخلوها ليلا.
وقد طالت مدة بقاء المفرزة دون اي مبرر ، فتمكن بعض عملاء السلطة من استدراج احد افراد المفرزة وهو من اهالي دوغات، وتقديم الإغراءات له بالتمتع بالعفو اذا ما سلم نفسه للسلطة. و شكل ذلك خطرا جديا على بقية الانصار فتفرقوا دون التمكن من الالتقاء بمسؤول المفرزة، الذي اضطر بدوره للتوجه الى منطقة سنجار في محاولة للعبور الى سوريا، ولم يفلح فتوجه الى الجبل ملتحقا بأحدى مفارز حدك ليصل مقرنا لوحده.
واضطر احد الرفاق من المفرزة ( خديده طيبان - ابو سلام ) الى التوجه الى القوش والاختفاء في دارنا رغم ما كان يشكله ذلك من مخاطر عليه وعلى العائلة. اما الرفيقان خليل وابو ايفان فقد تركا القوش بأتجاه سنجار ومنها الى القامشلي، ليعودا ويلتحقا بمقرنا في ( كلي كوماته ) مع مجموعة من الرفاق الملتحقين الجدد.
ولم يطل بقاء الرفيق ابو ايفان في المقر حيث تقرر توجهه ثانية الى المنطقة للقيام بمهماته، فتسلل مع مجموعة من الرفاق الى القوش على امل البقاء فيها مدة اطول.
وفي خريف 1980 توجهت مفرزة اخرى بقيادة ابو ماجد ايضا الى منطقة الدشت. واثناء تواجدهم في المنطقة طلب أربعة من الانصار السماح لهم بزيارة عوائلهم في القوش، فرفض طلبهم لخطورة ذلك عليهم وعلى المفرزة. فما كان منهم الا ان تركوا سلاحهم وغادروا الى القوش ، والتقوا هناك بالرفيق ابو ايفان.
بعد ايام قام الاربعة بتسليم انفسهم للسلطة، الامر الذي دفع بالرفيق ابو ايفان الى المغادرة بأتجاه الجبل فوصل الى منطقة ( بري كاره ) ليلتقي بالرفيقين خديده حسين (ابو داود) وناظم.

كنا نتهيأ للتوجه بمفرزة للالتقاء بالسرية الرابعة في بري كاره حينما وصل الرفيق سليمان يوسف - ابو عامل الى مقر بهدينان. فأرجأنا مغادرتنا لعدة ايام .
وفي برواري بالا التقينا بأنصارنا وهم في طريق عودتهم، فأرسلنا المتعبين منهم الى المقر، وواصلنا جميعا مسيرتنا نحو منطقة بري كاره .
حينما دخلنا قرية كاره، علمنا بمغادرة الرفاق ابو داود وناظم وابو ايفان بأتجاه الدشت .

الرفيقان توفيق وناظم في كلي رمان
كانت مفرزة خالد باني من ( حدك ) في بري كاره ، وقد حاول احد أفراد الپيشمرگة ( احمد ميركه تو ) معرفة وجهة رفاقنا الثلاثة . وبعد تأكده من انهم سيتوجهون الى الدشت ، سبقهم بمغادرة القرية ليكمن لهم مع جماعة له في نهاية ( كلي آفوكي ) وهو الطريق الوحيد الذي يتوجب على رفاقنا المرور فيه ويتحول في منطقة منه لممر ضيق ، وعند وصولهم لمسافة 150 مترا من الكمين اطلقت عليهم النار بكثافة فأستشهد في الحال الرفيق ابو ايفان واصيب الرفيق ناظم بجراح في يده وتمكن الرفيق ابو داود من الانسحاب لمسافة مناسبة . عندها تقدم المجرم احمد ميركه تو وانتزع بندقية الشهيد ، ليتوجه بها الى سرسنك حيث سلم نفسه للسلطة هناك . بعدها ارسل بندقيته الى خالد باني بإعتبارها عائدة لقوات الپيشمرگة. وقد اكد لنا احد كوادر حدك بأن خالد باني كان على علم مسبق بالجريمة وقد شجع (احمد ميركه تو) على تنفيذها.
توجهنا الى الموقع مباشرة بعد وصول النبأ ، فوجدنا احد بيش مركة حدك ( خالد شلي ) قد سبقنا ليقوم بمهمة دفن الشهيد ، في منطقة ما بين قرية آفوكي ومراني ، ولا زال قبره موجودا هناك ..
ومرة اخرى نفقد رفيق اخر بسبب قلة الخبرة وحداثة التجربة ، اذ لم يكن انصارنا قد مروا بتجارب تمكنّهم من معرفة اساليب اعدائهم وتساعدهم على توخي الحذر من المخاطر وتوّقع الخيانة. فقد استبعدوا ان يكون احد پيشمرگة حدك مكلفا بعملية غادرة وقذرة ، مقابل العفو عنه او مقابل مبلغ من المال .

¤ معركة كَلي رمان ـ فوج من الجيش في كمين من للانصار
بعد استشهاد الرفيق ابو ايفان، بقيت قوتنا في منطقة المزوري. وكانت تتشكل بالاضافة الى فصيل الحماية من عدة سرايا وتجاوز عدد الانصار (70) نصيرا مسلحا بالاسلحة الخفيفة وبقاذفات RBG7 ورشاشات عفاروف ومدفع هاون 60 ملم .
كانت معنويات الانصار عالية، فهم يجوبون لأول مرة القرى بهذا العدد وهذا التسليح بهدف اعادة ثقة الجماهير بحزبنا وبالكفاح المسلح. وكانت السلطة في ذلك الوقت تقوم بحملات ملاحقة واسعة وتمشيط دقيق للمناطق التي قد يلجأ اليها الپيشمرگة والانصار .
ارسلنا مجموعة من الانصارالى قرية باعذرا بمهمة. وعند محاولتهم دخول القرية اصطدموا بمجموعة عسكرية، فأنسحبوا الى حيث تمركزت قوتنا. وبسبب توقعنا تقدم القطعات العسكرية لتفتيش المنطقة ولملاحقة الانصار، قررنا التجمع في قرية كلي. وكانت لدينا مفرزة بقيادة الرفيق ابو فؤاد على قمة جبل بيرفكا لمراقبة اية تحركات في المنطقة والتصدي لاية قوة عسكرية قد تتقدم على الشارع الترابي المار نحو اتروش. الا ان الرفيق ابو فؤاد قام بسحب مفرزته في التاسعة والنصف صباحا دون إذن .

ينحدر من باعذرة طريق ترابي يمر بقرية بيرفكا نزولا الى قلعة نور الدين آوا حتى اتروش. وهو طريق مناسب لمرور السيارات ، ويمر بمحاذاة قرية كَلي رمان من جانبها الشرقي ويفصله عن القرية وادي عميق ويطل عليه تل مخروطي وراء القرية من غربها، وتحيط به مرتفعات جبلية تقرر ان يتخذها الانصار نقاط تمركز لمواجهة اية تطورات .
على ضوء تلك التوقعات بتقدم عسكري، فكرنا بإرسال قوة مع مدفع هاون الى الجبهة الشرقية من الطريق لنحكم السيطرة عليه وبالتالي محاصرة اية قطعات واسرها بسهولة.
طرحت الفكرة للمناقشة، ولم يحظى مقترحي بالقبول بسبب اصرار الرفيق ابو باز وتأكيده على عدم امكانية تقدم اية قطعات عبر هذا الطريق . ووقعت قيادة المفرزة في الخطأ بسبب الانصياع لرأي الرفيق ابو باز .
في حوالي الساعة الحادية عشر صباحا حيث كان الانصار في مواقعهم، ظهر رتل من السيارات العسكرية تتقدم الى اتروش. وفي نفس الوقت تقدمت قطعات اخرى من عين سفني ووصلت الى قلعة نورالدين آوا.
قررنا فورا التصدي لهذه القوات المتقدمة، على ان تكون اشارة البدء صلية كلاشنكوف تطلق باتجاه السيارات. وبمجرد اطلاق الاشارة بدأت اسلحة الانصار تمطر الرتل بوابل من الرصاص. فتوقف الرتل وترك الجنود سياراتهم محتمين بالصخور القريبة دون اية مقاومة، ولكن بعد فترة وجيزة بدأوا بالرد العشوائي .
استمر القتال وقتا طويلا دون ان نتمكن من الوصول الى موقع قريب من الرتل بسبب الوادي العميق الفاصل بين موقعيينا. وهكذا تشبث كل طرف بمواقعه، حتى اوشك عتاد الانصار على النفاذ . في تلك الاثناء حاول الفوج المعسكر في قلعة نورالدين آوا التقدم نحو مواقعنا، الا ان انصارنا كانوا له بالمرصاد ليردوه على اعقابه. وبذلك فشلت كل المحاولات لفك الحصار عن رتل السيارات .
بعد تأخر الوقت، كان لابد لنا من فسح المجال امام الجنود بالانسحاب ، لعدم امكانية حسم الوضع لصالحنا. فقررنا انهاء القتال ، نادى الانصار عليهم يبلغونهم بوقف اطلاق النار والسماح لهم بالانسحاب الى اتروش .
كانوا فرحين ومتفاجئين ، وكمن لا يصدق ، هل حقا نالوا الخلاص ، بقرار الانصار . وباشروا بصعود الجبل نحو القمة ثم الانحدار بأتجاه قلعة نورالدين آوا ، بعدها انسحبت السيارات.
خلال المعركة، لم تطلق المدفعية اية قذيفة، ولم يتحرك الطيران لحسم الموقف، وذلك بسبب تداخل مواقعنا.
إن اهم ما حققته تلك المواجهة ، هي انها جعلت من المنطقة ومن طريق الشيخان - دهوك منطقة محرمة على القطعات العسكرية حتى حملة الانفال .
_________________
1 ـ منطقة ما بين جبل دهوك وجبل دهكان تحدها شرقا منطقة المزورين والكوجر ، سكانها ايزيديون ، هدمت قراها عدة مرات ونقل سكانها الى مجمع شاريا .
2 ـ محمد حسين راشد ، من اوائل الانصار الملتحقين بقاعدة كوماته في 4 /10/ 1979 واحد مؤسسيها ، معاون امر السرية المستقلة استشهد في 23 /2/ 1983اثناء معركة مع الجحوش في قرية باعذرا .
3 ـ رافد اسحق حنونه - حكمت ، مواليد 1958 من اهالي القوش طالب في كلية الهندسة - بغداد التحق بالانصار في 17 /4/ 1980 من رماة RBG7 المتميزين ) .
4 ـ عبد الودود شاكر - ابو رستم ، من اهالي بغداد مواليد 1958 ، امر فصيل في السرية الرابعة طالب جامعة ، تعرض مع رفيقين اخرين يوم 19 /3/ 1983 لكمين من المرتزقة الجحوش في منطقة نهلة ، وبعد قتال صعب جرح اثناءه ، ولم يستطع الانسحاب ، فأطلق رصاصة على رأسه منهيا حياته قبل وصول المرتزقة اليه لأسره .
5 ـ هيثم ناصر الصكَر - عايد ، التحق بالانصار عام 1980 ، امر فصيل في السرية الرابعة استشهد مع رفيقه حكمت فجر يوم 19 /1/ 1981 .
6 - هرمز يوسف سليمان - ابو ايفان ، من أهالي القوش مواليد 1946 ، التحق بالانصار في ناوزنك في 30 /4/ 1979 ، نشط في العمل ضمن التنظيم المحلي في نينوى ، اغتيل على يد احد بيش مركة حدك في 9 /11/ 1980 .
يتبع



أوراق توما توماس ( 24 )

الحرب العراقية ـ الايرانية ، تأثيرها على وضع الانصار

بعد انهيار الحركة الكردية المسلحة ، احتل الجيش كل المدن والمواقع الحيوية في كردستان التي سلمت من التدمير والواقعة على الطرق الرئيسية ولم تترك السلطة قمة جبل او تل دون ان تستغلها كربيئة او نقطة مراقبة ضد تسلل البيش مركة ، مما اضطرهم ذلك الى التحرك ليلا .
كانت الربايا بالمرصاد للبيشمركَة، حيث تقوم بإطلاق النار بأتجاه اية حركة مهما كانت بسيطة (وفق قرار السلطة بقتل كل حي يشاهد في المنطقة فورا) .
في 22/9/1980 اعلن العراق حربه على ايران. وتمكن الجيش العراقي من إجتياح الأراضي الأيرانية، وفي خضم المعارك كان لابد من تعزيز الجيش بوحدات جديدة. لذا بدأت العديد من الوحدات العسكرية المستقرة في كردستان بالتوجه الى جبهات الحرب تاركة فراغا ملحوظاً. وأصبحت المسافات بين الربايا والمعسكرات في كردستان تتباعد تدريجياً، الامر الذي وفر للپيشمرگة إمكانية الحركة بشكل أفضل من السابق. وأصبح بإمكانهم الوصول الى المناطق الآهلة بالسكان وإقامة الصلات مع الجماهير والحصول على الأرزاق وجذب المزيد من الشباب من رافضي الحرب . وقد إستفادت الأحزاب القومية الكردية من الحرب العراقية - الايرانية، ماديا ومعنويا. ووقف بعضها الى جانب الجيش الايراني وساعدته في بعض الاحيان للتوغل في العمق العراقي. وقد دفع هذا الموقف الخاطئ الى المزيد من التعويل على الحرب، الى درجة اعتبار انتصار الحركة الكردية مرتبط بحسم الحرب لصالح ايران !!!!.

توفرت لنا فرصة ملائمة ان نفكر بإرسال مفارزنا الى العمق واستغلال الوضع الجديد الناشيء. ولذا تم الاتفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني على ارسال قوة مشتركة تحت قيادة سيد صالح (1) من ( حدك ) وابو باز من قوتنا، واتفق الطرفان على القيام بعملية عسكرية لضرب فوج قرية (بلمباز) (2).

¤ فوج قرية بلمباز :
كان الفوج يعسكر في منطقة جنوب قرية بلمباز، يحده شمالا الجبل وجنوبا نهر شكفتي وتحميه ثلاث ربايا :
1. ربيئة في القمة المطلة من جهة شمال شرق الفوج .
2. ربيئة على تل يشرف على المعسكر مباشرة من الشمال .
3. ربيئة على تل شمال غرب المعسكر لحمايته من الجهة الغربية .
ونصت الخطة بالسيطرة على الربايا الثلاث. ويتم ذلك عبر قصف مقر الفوج بمدفع 81 ملم. وتم توزيع المهمات، حيث كلفت مجموعة مشتركة بالسيطرة على الربيئة شمال شرق الفوج. كما كلف رفاقنا بمهمة السيطرة على الربيئة الوسطى. اما الربيئة الغربية فقد انيطت مهمة السيطرة عليها الى ( خالد باني )(3) من حدك .
باشرت المدفعية بقصف مقر الفوج بشكل مركز، واصابت اهدافها بدقة، مما اربك قيادة الفوج وشلت الحركة تماما. واكتفى الضباط والجنود بالاختباء في خنادقهم ، في ذات الوقت تمكن رفاقنا من السيطرة على الربيئة الوسطى. وكذلك نجحت المجموعة المشتركة من ازاحة الجنود من الربيئة الشرقية دون التمكن من السيطرة عليها. اما الربيئة الغربية فقد تخلفت مجموعة خالد باني عن التقدم بإتجاهها، مما اثر ذلك بدوره على وضع رفاقنا في الربيئة الوسطى وأدى الى فشل الخطة بمجرد تعرض اماكن تمركز الپيشمرگة للقصف المدفعي المقابل .

¤ قصف لواء بيكوفا :
تم الاتفاق على القيام بقصف لواء بيكوفا وفوج (جقلا) والربايا المحيطة بهما والسيطرة على ربيئة (سري حمي) المشرفة على شارع بيكوفا - كاني ماصي .
وتشكلت قوة مشتركة من أنصارنا و پيشمرگة حدك لتنفيذ الخطة. واشتركنا ( د. جرجيس مسؤول الفرع الاول ، وانا ) في العملية وقد انيطت مهمة قيادتها للرفيق (ابوباز ) و( سيد صالح) من حدك .
ورافقت قوتنا مجموعة من النصيرات الشيوعيات، حيث ساهمت الرفيقة (دروك) ضمن طاقم مدفع هاون 82 ملم .
توجهت القوة الى (گلي قرية هرور) الواقعة خلف الجبل المطل على بيكوفا. وباشر الرفاق المكلفين بقيادة العملية بالاستطلاع ، ووضع الخطة وتوزيع القوة المشتركة على المواقع المقرر ضربها وهي :
1. قصف لواء بيكوفا ومقره بالمدفعية من عيار 81 ملم و82 ملم .
2. قصف فوج جقلا بنفس الوقت بالمدفعية .
3. السيطرة على الربيئة الساندة لمعسكر بيكوفا .
4. السيطرة على ربيئة سري حمي .
تم تحديد ساعة البدء بالرابعة عصرا ، فأنطلقت اول قذيفة هاون لتصيب هدفها في مقر اللواء. وفي نفس الوقت تم قصف مقر فوج جقلا وبشكل مكثف، مما ادى الى شل الحركة فيهما.
تمكن پيشمرگة حدك من تدمير الربيئة المساندة لتصبح خالية بعد ان تركها الجنود، ولكن الپيشمرگة لم يدخلوها بسبب قربها من المعسكر.
اما قوتنا المكلفة بالسيطرة على ربيئة سري حمي ، وكانت بقيادة محمود الثعلبي - ابو هدى، فقد تكونت من 15 نصيرا مسلحين ببنادق كلاشنكوف وبرشاش عفاروف وقاذفة RBG 7. وبمجرد ان بدأ الهجوم بأتجاه الربيئة، فقد تركها الجنود هاربين نحو مقر السرية القريب منها .
ولم يستطع آمر المجموعة من اتخاذ القرار الحاسم، اي القيام بهجوم للسيطرة على الربيئة، انما طرح الموضوع للمناقشة بين المهاجمين الذين قرروا بالاكثرية الانسحاب. وهكذا حسم الموقف لصالح الجنود الذين سرعان ما عادوا الى ربيئتهم ..
ان عدم مبادرة قائد المجموعة بالهجوم، لم يكن بسبب التردد من منطلق الخوف، وانما كان بسبب قلة التجربة والخبرة العسكرية.
وعلى الرغم من ان العملية لم تكن حاسمة، الا انها تركت صدى كبيرا لدى الجماهير بسبب تمكن الپيشمرگة من دكّ مواقع السلطة مرة ثانية ومن جديد منذ انهيار الحركة المسلحة عام 1975.

¤ السيطرة على ربايا فوج باكرمان :
في تموز عام 1981 تشكلت قوة كبيرة من مختلف سرايانا، اضافة لفصيل من الرفيقات ليتجاوز العدد الكلي للقوة 80 نصيراً ونصيرة وبمرافقة عدد من الكوادر العسكرية والحزبية، للقيام بجولة واسعة شملت مناطق وقرى عديدة. وتم اتخاذ قرار بعملية عسكرية هدفها فوج وربايا باكرمان، وكانت اول عملية واسعة لانصارنا وبمفردهم وتشمل عدة مواقع عسكرية .
كانت الربايا الغربية منعزلة بسبب مرور نهر الخازر بينها وبين مقر الفوج. وانتشرت جنوب الفوج كابينات عمال ومهندسي مشروع سد الخازر ( حيث تقوم احدى الشركات بفحص التربة هناك )، وشملت الخطة :
1 ـ قصف مقر فوج باكرمان بمدفع هاون 82 ملم ورشاش دوشكة من نقطة تقع شمال قرية بلمند لاسناد هجوم الرفاق على الربايا. ونسب الرفيق احمد بيرموسي مسؤولا عن مجموعة القصف والاسناد .
2 ـ الهجوم على الربيئة الواقعة جنوب شرق الفوج وكلف الرفيق علي خليل ( ابو ماجد ) بمسؤوليتها يساعده الرفيق صباح كنجي (4). كان من المستحيل الوصول الى الربيئة لوقوعها على سفح الجبل المقابل، اذ يتطلب ذلك قطع مسافة في منطقة مكشوفة تماما ( دشت). فتوجهت المجموعة الى مكان مناسب قرب الربيئة واختفت هناك حتى موعد الهجوم .
3 ـ الهجوم على الربيئة الغربية وتقع في الجانب الاخر من نهر الخازر، وانيطت مسؤولية مجموعة الهجوم بالرفيق ابو سربست ( صبحي خضر ).
4 ـ اشرف مكتب القاطع على العملية واتخذ له موقعا في الجبهة الشمالية المقابلة للفوج.
5 ـ حددت ساعة الصفر في الساعة الخامسة مساءًا، وكانت اشارة البدء اطلاقات كلاشنكوف متواصلة ( صلية) من مكتب القاطع.
وفي الوقت المحدد، انطلقت قذائف مدفع 82 ملم وطلقات الدوشكا نحو اهدافها لتصيبها بشكل دقيق محدثة ارتباكاً كبيراً داخل الفوج مما فسح المجال للمهاجمين بالإقتراب من الاهداف المحددة.

تحركت مجموعة الرفيق ابو ماجد نحو الربيئة واقتربت منها على مسافة 150 مترا. واطلقت باتجاه الربيئة 3 صواريخ RBG7 لتصيبها بدقة. ولم يبادر الرفيق مسؤول المجموعة إلى اصدار أمر بالتحرك السريع للسيطرة على الربيئة رغم وجود بعض الانصار على بعد خطوات منها. واضطر الانصار الى الانسحاب بمجرد بدء الربايا الاخرى بقصف الربيئة واطرافها.

اما مجموعة الرفيق ابوسربست فقد تقدمت نحو الربيئة حتى وصلت الى الساتر الحجري المطل عليها. وتمت مفاجأتها بصواريخ RBG7، فأضطر من تمترس فيها الى الانسحاب منها واصبحت خالية تماما. وهنا ايضا لم يتحرك الانصار للسيطرة عليها.

درس مكتب القاطع نتائج هذه العملية وتوصل الى الاستنتاجات :ـ
1 ـ ان تلكؤ الانصار وتأخرهم في السيطرة على الربايا ناتج من عدم ممارستهم عملية اقتحام حقيقية للربايا ، إذ تعتبر عملية الاقتحام مهارة تكتسب من خلال التجارب .
2 ـ إن انتظار الاوامر من المسؤول اضاع الفرص على المهاجمين، ووفر الفرصة للجنود ان يأخذوا المبادرة بأيديهم والقيام بهجوم معاكس.
3 ـ ورغم عدم تحقيق النتائج المرجوة من تلك العملية، الا انها إعتبرت بمثابة دورة تدريبية على ارض الواقع لتعلم اصول قيادة المفارز القتالية واقتحام المواقع .

———————–

1ـ سيد صالح . من اهالي قرية جم سيدا منطقة برواري بالا ، التحق بالحركة الكردية منذ الستينات مدفعي جيد ، تقدم في حزبه واصبح مرشحا للجنة المركزية ، وعضوا في قيادة الفرع الاول لفترة طويلة ، كانت علاقته معنا متينة وايجابية على الدوام .
2 ـ قرية بلمباز : تقع وراء جبل خير على طريق برواري ـ نهلة ، لم يتم تهجيرها مع عدد من قرى برواري ژيري .
3 ـ خالد باني ، آمر مفرزة ( حدك ) من اهالي قرية بانيا ( مزوري ).
4 - صباح ( ب . جمعة كنجي ) من اهالي بحزاني . من عائلة شيوعية معروفة ، والده كان عضو مكتب محلية نينوى في فترة الستينات ، التحق بالانصار1979 ، وعمل في العمق . اصبح سكرتيرا للمحلية (نينوى) بعد فصلها عن دهوك ، اختفت اثار عائلته المكونة من 14 فردا اثناء حملة الانفال .


أوراق توما توماس ( 23 )

 وصول السلاح ـ الصعوبات
بذلت جهود كبيرة وعديدة من اجل توفير السلاح ونقلهه. وباءت المحاولات الاولى بالفشل، ولكن سرعان ما وجد السلاح طريقه الينا خاصة بعد وصول الرفيق ابو عامل وتمكنه من ايجاد عدة طرق لنقله بالاتفاق مع الاحزاب الصديقة في تركيا، وتعاون رفاقنا المكلفين الموجودين في القامشلي مع مجموعة من الرفاق نسبت للعمل داخل الاراضي التركية لتنفيذ هذه المهمة الصعبة والتي تعتبر شريانا اساسيا للحركة المسلحة .
وقد واجهت الاحزاب التركية الصديقة صعوبات جمة، واشتدت عليها ملاحقات الجندرمة التركية بعد ان ترافق وصول وجبات السلاح الاولى مع الانقلاب العسكري في تركيا. فقد شددت سلطات الانقلابيين الجدد من اجراءاتها القمعية ضد الشعب الكردي وضد احزابه، وخاصة تلك المتعاونة معنا. واضافة الى ذلك فقد كان لموقف القوى الكردية الحليفة ( حدك ) اثر في عرقلة وصول السلاح .
كانت اول مفروة في طريقها الينا ( مع قافلة محملة بالسلاح يقودها الرفيق جهاد ومعه بعض الادلاء من الاحزاب الكردية في تركيا ، وعدد من الرفاق الملتحقين الجدد من الخارج )، قد وقعت يوم 22 /8/ 1980 في كمين للجندرمة التركية في جبل طنين الذي يبعد عن مقرنا حوالي ساعتين من المسير. واثناء الاشتباك استشهد احد اصدقائنا من شباب قرية ( بي جو ) كان قد هب لنجدة رفاقنا، واستمر القتال طوال ذلك النهار. ولم تستطع قوات الجندرمة من التقدم للاستيلاء على السلاح بسبب المقاومة العنيفة التي ابداها رفاقنا واصدقائنا، مما اضطر الجندرمة الى الانسحاب في نهاية المطاف.
ومن بداية القتال كان اصحاب البغال قد انزلوا حمولات السلاح وتركوها في موقع المعركة ليهربوا مع حيواناتهم ، مما أجبر رفاقنا بعد انسحاب الجندرمة بالتوجه الى المقر لجلب مجموعة بغال لنقل السلاح. استغل بعض منتسبي حدك من الساكنين في القرى المجاورة تلك الفرصة، فتوجهوا الى الموقع ليستولوا على 24 بندقية كلاشنكوف مع كمية كبيرة من العتاد، ورغم العديد من الشكاوى التي قدمت الى حدك الا انهم لم يرجعوا شيئا من تلك الاسلحة المنهوبة.
ارسلنا على الفور مفرزة بقيادة الرفيق ابو باز مع الرفيق جهاد حيث تم نقل السلاح الى المقر.
قبل وقوع المفرزة بالكمين كان الرفيق جهاد قد ارسل ثلاثة رفاق من الملتحقين الجدد الى قرية ( بي جو ) لعدم استطاعتهم مواصلة السير بسبب الارهاق والتعب. وحينما اندلع القتال تركوا القرية للاختفاء بكهف يقع على اطرافها، ثم لحق بهم الرفيق ابو حازم حيث صادف وجوده في القرية ( كان قد ارسل الى منطقة الجزيرة لتصريف مبلغ الى الليرات التركية ) .
تمكن الجندرمة من اعتقال جميع المختفين في الكهف، وقدموا الى احدى المحاكم التركية لتحكم عليهم بالسجن 4 سنوات. وبعد اطلاق سراحهم عاد الرفيق ابو حازم وإلتحق بنا من جديد، اضافة الى رفيق اخر من المعتقلين هو الرفيق مهدي - شقيق الرفيق الشهيد نجيب هرمز يوحانا - ناهل -. ليبقيا في صفوف الانصار حتى حملة الانفال.

إحدى مفارز السلاح
لم تمض سوى فترة قصيرة على وصول الوجبة الاولى من السلاح حتى وصلت قافلة مكونة من 14 بغلا محملة بأسلحة ثقيلة ( مدافع هاون 82 ، 60 ملم و 11 قاذفة صواريخ آر پي جي 7 و الكثير من الاسلحة المتوسطة والخفيفة. تجاوزت القافلة مقرنا ( وكانت بمسؤولية منتسبي حدك - تركيا ) لتضع حمولتها في مقر الفرع الاول حدك. ولم يبادر مسؤولو المقر بأبلاغ الادلاء بأن الحمولة ليست لهم. كنا نتوقع وصول السلاح اضافة لاستلامنا قائمة كاملة بمحتويات تلك الوجبة. اتصلت بقيادة فرع حدك، ولم يكن د. جرجيس موجودا لتسليم السلاح لنا. فكان جوابهم بعدم امكانيتهم التصرف به قبل الحصول على رأي من المكتب السياسي لحدك. فبقيت الاسلحة عندهم، وتعرضت تلك الليلة للتبديل، ونهبت كميات من العتاد وفقدت 4 قاذفات صواريخ آر پي جي 7. وشوهد سيد حميد (1) وهو يأخذ القاذفات الى غرفته. وقد اعترف مسؤول القافلة بذلك، وكادت محاولاتنا لارجاع ما سرق من السلاح ان تتطور الى صدام مسلح.
استمر مسلحو حدك بوضع العراقيل امام مفارز السلاح ومن يرافقها من اصدقائنا في الاحزاب الكردية في تركيا. ففي اواسط ايلول 1980 كان احد منتسبي ( كوك ) (2) واسمه جليل ضيفا على مقرنا بإعتباره احد العاملين في مفارز السلاح، وعند عودته طلب ان يرافقه بعض رفاقنا تجنبا من قيام مسلحو حدك بإعتقاله. وبالغعل رافقته مفرزة بقيادة الرفيق ابو باز. وفي الطريق وقبل العبور الى تركيا، تعرضت لهم مجموعة مسلحة من حدك حاولت اعتقال جليل. فتصدى لهم رفاقنا وكاد الامر ان يتطور الى معركة لولا الموقف المرن من الرفيق ابو باز واطالته للنقاش والمجادلة مع المسلحين ليفسح بالتالي المجال لجليل للتسلل ودخول الاراضي التركية.
تطورت قاعدة بهدينان نتيجة الالتحاقات المستمرة من الخارج ومن المنطقة ايضا. وتمكنا من تأسيس قاعدة ثانية في منطقة هيركي كمحطة وسطية بين بهدينان وسوران لمساعدة المفارز اثناء تحركاتها. وتقع محطة هيركي في منطقة نيروه وريكان خلف جبل نيروه على الحدود التركية ويفصلها عن العراق جدول صغير. وتبعد هذه المحطة عن مقرنا في كلي كوماته مسيرة ثلاثة ايام، وهي منطقة لم يسبق لحزبنا ان كان له نفوذ فيها.
في 15 تموز 1980 تشكلت سرية بقيادة الرفيق خيري درمان ( توفيق ) وياقو ايشو ( د. سليم ) كمستشار سياسي. واستقر الرفاق في القاعدة ، ليباشروا بإستقبال الرفاق اثناء تنقلاتهم.
واضافة لدورها في توفير الراحة للرفاق، فقد تمكن رفاق سرية هيركي من اقامة افضل العلاقات مع الجماهير، واستطاعوا الوصول الى منطقة الزيبار، وهي الاخرى كانت تخلو من نفوذ الحزب. وبعد الغاء مقر هيركي تم تغيير اسم تلك السرية الى السرية الخامسة لتنشط في منطقة العمادية، ثم سميت بالسرية الخامسة المستقلة ليشمل نشاطها كل منطقة بري كاره .
بعد وصول عدة وجبات من السلاح الى مقر بهدينان، تم تسليح جميع الرفاق. وتراكم السلاح في المشاجب بإنتظار مفارز من القواطع الاخرى، دون ان يأتي احد لاستلام ما يحتاجون اليه رغم استمرار برقياتهم بطلب السلاح .
وتحت الحاح كبير، اضطررنا الى تشكيل مفرزة من 25 رفيقا لنقل السلاح على الاكتاف بقيادة الرفيق ابو فؤاد امر السرية الثانية، في رحلة استغرقت 15 يوما عبر الاراضي التركية حتى الوصول الى ناوزنك .

وبشكل عام كان استياء الرفاق في بهدينان واضحا من موقف قيادة القواطع في اربيل والسليمانية لعدم مبادرتهم الى المساعدة في نقل ما يحتاجون اليه من اسلحة. وكأن مهمة نقل الاسلحة واجب يختص به رفاق بهدينان. ومن المفارقة ان الرفاق في القاطعين كانوا يتهمون قاطع بهدينان بالتفرقة بين القواطع في توزيع الاسلحة. ومما يؤسف له ان رفاق المكتب السياسي والمكتب العسكري المركزي كانوا يميلون لتصديق تلك التهمة.
كان رفاقنا في منطقة سوران قد استلموا 300 قطعة سلاح قبل مغادرة مجموعة الرفاق المكلفين بتأسيس مقر بهدينان ، بدون سلاح . ولم تثر في حينها اية ضجة حول هذا السلوك.
ان الرفاق الذين نقلوا السلاح على اكتافهم قادمين من سوريا ولمدة اكثر من اسبوع، ومنهم من حمل 4 بنادق كلاشنكوف مع مخازنها وقدموا التضحيات الجسام، كان لهم الحق في اختيار سلاحهم الخاص ومن النوع الجيد الذي يمكنهم من الدفاع عن انفسهم في طرق مليئة بالمخاطر ومزروعة بالكمائن والاعداء. لقد ضحى بعضهم بحياته في سبيل انجاز هذه المهمة المشرفة. وستبقى اسماء شهداء مفارز الطريق خالدة على الدوام. فتحية لارواح الرفاق الشهداء : حسن جميل ، جبرائيل بولص متي (ابو سمره) ، دلبرين ، كريم عبد (ابو هديل) ، نجيب هرمز يوحانا ( ناهل )، ابو سحر ، راضي محمد (ابو ايمان) ، محمد بشيشي ( د. ابو ظفر) ، صالح ، صوفي يوسف ، فاضل ، والكلاك يوسف وربما اخرين لا تسعفني الذاكرة بأسمائهم.

مجموعة من رفاق مفرزة السلاح تهيئ الكلك قبل عبور دجلة
وقبل استشهاد مجموعة من رفاق الطريق (ابو هديل ورفاقه)، قاموا بجلب وجبة سلاح من ضمنها 5 رشاشات بي كي سي، و تركوا الحمولات في الفوج الثالث وعادوا ادراجهم بأتجاه سوريا. في تلك الايام شنت السلطة هجوماً ضخما على منطقة فعاليات الفوج الثالث. فأضطر الانصار الى استخدام تلك الاسلحة دون استشارة المكتب العسكري المركزي .
وبدون اي استفسار او استيضاح توجه سكرتير الحزب مع مسؤول المكتب العسكري المركزي الى بهدينان لمحاسبة (كذا) مسؤول قاطع بهدينان وربما لازاحته بسبب هذا التجاوز . ولكن عند وصولهما بهدينان، كان قد استشهد لنا 9 رفاق في معركة مع طائرات السلطة في منطقة الفوج الاول. فلم يتمكن الرفيقان من فتح موضوع " تجاوزنا واستخدامنا للسلاح دون استشارتهم !! "

(1) سيد حميد من اهالي محافظة دهوك ، كان مع عيسى سوار في زاخو ، اعتقل الرفاق ال (11) العائدين من موسكو وسلمهم الى عيسى سوار الذي اوعز بقتلهم ، قتل في صدام مع حدكا في منطقة اشنوية .
(2) كوك . حزب كردي ـ تركيا ـ انسلخ عن حدك بعد فشل الحركة المسلحة ، حدث فيه انشقاق وانقسم الى قسمين ـ كوك وكوكسي ـ
 

أوراق توما توماس( 22 )

حزب تودة والحزب الديمقراطي الكردستاني ـ ايران ـ

ارتبط حزبنا تاريخيا بعلاقات جيدة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ ايران ـ ( حدكا ) ، و منذ لجوء سكرتير الحزب ( سليمان معيني ) وبعض الكوادر القيادية الى كردستان العراق في الستينات . وقد قام رفاقنا بتقديم مساعدات لهم، خاصة في السليمانية. وفي فترة التحالف مع البعث ارتبطنا معهم بعلاقة متميزة ، وكانت قيادتهم في بغداد حيث كان سكرتير الحزب انذاك عبدالرحمن قاسملو (1) .
وارتبط حزبنا كذلك بأوثق العلاقات مع حزب توده ايران سواء على مستوى قيادته المركزية او مع أعضاء الحزب الاكراد الذين عملوا في تنظيمات ( حدكا ) حسب توجيهات قيادة حزب توده إيران. وبعد الثورة الايرانية وما تبعها من تطورات، شكل الشيوعيون الاكراد فرع كردستان لحزب توده إيران، واستمر تعاونهم مع ( حدكا ).
التقيت لاول مرة بالدكتور عبدالرحمن قاسملو في صيف 1979 في مدينة مهاباد اثناء لقاء عقدناه مع وفد حزبهم، وكان الوفد برئاسته . كان حدكا حينذاك قد استولى على مجموعة من معسكرات الجيش الايراني وحصل على كميات كبيرة من مختلف الاسلحة والاعتدة .
بدأ الجيش الايراني هجومه على المدن الكردية وتقدم نحو منطقة (بانه)، وعند وصوله الى مشارفها انسحبت فصائل الپيشمرگه منها. وقد إسحبنا نحن أيضاً بعد ان تحولت المناطق الكردية الى ساحة للصراع المسلح وميدانا لحرب اهلية. كنا مثقلين بكميات كبيرة من الاسلحة والاعتدة، فطلبنا من الرفيق هاشم كريمي مسؤول (بانه) تزويدنا بسيارة ايفا عسكرية لاتمام .
حينما وصلنا الى سردشت، ابلغت محمد سراجي وكان عضوا في المكتب السياسي حدكا بكمية السلاح والعتاد التي اخليناها معنا بعد ان تركها الپيشمرگه. شكرنا قائلا " ليكن هدية لحزبكم ". قبل ذلك كان حدكا قد ساعدنا بعدة اجهزة اتصال 109 روسي، استطعنا بواسطتها ربط مقراتنا مع مقر القيادة لاسلكيا .
لم يتوصل حدكا لاي اتفاق مع الحكومة الايرانية على شعار الحكم الذاتي، "خود مختاري"، والذي يعتبر اقل بكثير من الحكم الذاتي الذي اقر في العراق، اذ لا يتعدى منح الحقوق الادارية والثقافية .فلجأت الحكومة الايرانية الى الحل العسكري ، فقامت بشن هجوم واسع على مدن كانت تحت سيطرة حدكا مثل مهاباد و مياندوآب و سردشت. وتمكن الجيش الايراني من ازاحة الپيشمرگه منها، والتي إنسحبت بأتجاه الجبال على الحدود مع العراق .
وصل الدكتور قاسملو مع غني بلوريان وامير قاضي اعضاء المكتب السياسي الى مقرنا في (توزله) كضيوف. وبعدها وصل رفاق حزب توده إيران وكانوا بقيادة الرفيقين حسن ماوراني وبابكر، وباشروا فور وصولهم بإقامة خيمهم قرب مقراتنا. اما أعضاء حدكا فقد واصلوا انسحابهم حتى قرية (بيدلان) قرب (سوني) الحدودية، والتي تصلها الاليات العراقية لغرض ايصال الاسلحة لهم من السلطة العراقية.

لم تطل مدة مكوث رفاق حزب توده إيران، اذ قررت القيادة إلغاء القاعدة العسكرية وعودة جميع الانصار الى المدن عدا الرفاق الملاحقين من السلطة الايرانية ، وعلى ان تسلم جميع الاسلحة والتجهيزات لانصار حزبنا الشيوعي . وتسلمنا 39 بندقية (ژ 3 ) و 3 بنادق كلاشنكوف ومجموعة من الافرشة والخيم والعتاد، وبقي معنا خمسة من رفاق توده. بعد فترة رجع العديد من الرفاق هربا من بطش السلطات الايرانية، خاصة بعد الاقدام على اعدام الرفاق القياديين في حزب توده ايران واشتداد حملة القمع ضدهم. وبقي عدد منهم برفقتنا حتى حملة الانفال ، حيث توجهوا مع رفاقنا لبعض دول اللجوء الاوربية .
وطوال تلك الفترة واصل ممثل حدكا وجوده في بغداد، واستمرت السلطة العراقية بتقديم دعمها العسكري له في محاولة لاضعاف السلطة الايرانية والتأثير عليها .
وتحت ذريعة ايصال تلك المساعدات وبالسرعة المطلوبة، إقترحت السلطة العراقية على حدكا مساعدتها في فتح طريق للسيارات حتى مقراتهم في منطقة الحدود، الامر الذي كان سيشكل خطرا جديا على مقراتنا القريبة منهم .
و بادرنا بسرعة، ومعنا الاحزاب الكردية لعقد لقاء مع قيادة حدكا لدراسة الموضوع ، حيث عقد اجتماع في قرية (شنو) الإيرانية حضره من جانب حدكا د. عبدالرحمن قاسملو وامير قاضي عضو المكتب السياسي لحدكا ومن الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني وكمال خوشناو، ومن حزبنا توما توماس وابو آسوس ومن الحزب الاشتراكي الكردستاني رسول مامند ومن باسوك ملازم ئازاد، حيث تم ابلاغهم بمعارضتنا لقيام السلطة العراقية بفتح طريق على امتداد الحدود، واوضحنا بأننا مضطرون لاستخدام القوة لمواجهة هذه الخطوة وطلبنا من د. قاسملو ابلاغ قرارنا، وعدم تجاوز الطريق قرية (سوني) . وفعلا تم ايقاف العمل حال وصوله للنقطة التي حددناها لهم.

كان قاسملو قد وعدنا بـ (60) بندقية اذا استلم وجبة جديدة من السلاح من العراق، وكانت تلك الوجبة تتألف من بنادق براشوت انكليزية قصيرة زودت انكلترا الجيش البولندي بها وسميت بهذا الاسم. وقد نفذ قاسملو وعده واستلمنا (60) بندقية منها. وجاءت تلك المساعدة في وقتها اذ دفعت بعملنا خطوة جيدة للامام، لكن رفاقنا رفضوا حملها لكونها مرسلة من نظام البعث. وبعد محاولات عدة لاقناعهم بأهمية ان نمتلك في هذه الاوقات العصيبة سلاحا ، وانه ( اي السلاح ) لم يأتنا من النظام كهبة، وانما بتشابك العلاقات وتعقيداتها تمكنا من اغتنامه برضى من الذين سلموه لنا ومن منطلق قناعتهم بعدالة قرارنا بحمل السلاح لمواجهة اعنف واشرس نظام فاشي ، وافق الرفاق على حمل تلك الاسلحة، وكنا قد ارسلنا (20) منها للرفاق في السليمانية .
الا ان مشكلة اكبر قد واجهتنا بسبب تلك البنادق ، فقد لاحظ حدكا بأن الرفاق يحملونها اثناء توجههم نحو العمق العراقي ونزولهم الى المدن. وتجنبا لمعرفة البعث بمصدرها، طلب قاسملو اما ارجاعها او ابدالها بأسلحة رفاق حزب توده ايران. وتمكنا من اقناع قاسملو بعد توجيه تنبيه للرفاق بعدم حمل اية قطعة من هذا النوع من السلاح اثناء التوجه في مهمات او مفارز الى العمق العراقي .
وصلتنا اول وجبة من السلاح في ربيع سنة 1980، وتتألف من ( 42 ) بندقية كلاشنكوف من نوع جيد تم توزيعها على رفاق المقر. ولم يحصل الرفاق الذين وصلوا بهدينان على اية قطعة منها، و كانت قاعدة بهدينان حينذاك بقيادة الرفيق عمر الياس ( مسؤولا سياسيا ) وملازم خضر ( مسؤولا عسكريا ) وملا عزيز (مسؤولا اداريا )، بالاضافة الى الرفيق احمد الجبوري. وسميت تلك الهيئة بـ (مكتب القوة )، وارتبطت مع رفاقنا القياديين الموجودين في سوريا .
اجتماع اللجنة المركزية حزيران ـ تموز ـ 1980
تقرر عقد اجتماع اللجنة المركزية في الخارج. فتوجه رفاق ل.م من كردستان عبر طهران ومنها الى سوريا عدا الرفيق فاتح رسول ( ابو آسوس ) بسبب الملاحظات الموجودة عليه. بقيت مع ابو حكمت 15 يوما في طهران بعد حصولنا على وثيقة عبور (ليسيه پاس) بمساعدة من قيادة قطر العراق. توجهنا الى دمشق ، حيث تم حجزنا لمدة 24 ساعة بحجة عدم وجود برقية تسمح بدخولنا الى سوريا. وبتدخل اخر من قيادة قطر العراق، ارسلت برقية الى المطار تسمح بدخولنا ، ثم توجهنا الى حيث سيعقد الاجتماع. ولقد حالفنا الحظ بالوصول في الموعد المحدد .
كان اجتماعا حيوياً ومهماً سيما وانه اول اجتماع للجنة المركزية يعقد بعد انقلاب البعث على التحالف. طرح موضوع الكفاح المسلح وتم اقراره كأسلوب من اساليب الكفاح. وتقرر ايضا دعم حركة الانصار مادياً وتقديم كل أشكال العون لها .
ودرس الاجتماع موقف الضعف الذي ابداه ماجد عبد الرضا اثناء اعتقاله، وتقرر سحب عضويته اللجنة المركزية واعتباره مرشحا لها. واجلت قضية الرفيق ( س ) لعدم حضوره وكان هو الاخر قد ابدى ضعفا. وتم حسم قضية ابو آسوس بعدم قناعة اللجنة المركزية بالملاحظة الموجهة ضده، كما حسمت قضية مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق واعتبرا خارج اللجنة المركزية .
ودرس الاجتماع ايضا مسألة الانضمام الى الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية (جوقد)، وفاز القرار بأكثرية ضئيلة . وفعلا تشكلت الجبهة من مجموعة من احزاب المعارضة بعد استثناء الحزب الديمقراطي الكردستاني.

في دمشق عقد اجتماع خاص لاعضاء اللجنة المركزية الذين سيعملون في كردستان، وتم تشكيل اللجنة العسكرية ( هندرين ) لادارة وقيادة الانصار عسكريا وحزبيا وتم توزيع العمل فيها كالاتي : ـ
1 ـ عمر الشيخ ـ مسؤولاً عن لجنة هندرين وهي القائدة حزبيا وعسكريا في كردستان
2 ـ يوسف سليمان ـ مسؤولاً عن الانصار على ان يتم تشكيل مكتب عسكري تحت قيادته
3 ـ احمد بانيخيلاني ـ مسؤولا حزبيا وعسكريا في السليمانية
4 ـ توما توماس ـ مسؤولا عسكريا في بهدينان
5 ـ سليم إسماعيل ـ مسؤولا حزبيا في بهدينان
6 ـ يوسف حنا ـ مسؤولا حزبيا وعسكريا في كَوستا
7 ـ بهاء الدين نوري ـ مسؤولا عن الاعلام والاذاعة
8 ـ فاتح رسول ـ يعمل في هندرين

طرح بهاء الدين نوري مقترحا بألغاء القواعد العسكرية ولجانها والاكتفاء بمفارز مستقلة (محدودة العدد)، ترتبط مباشرة بالمسؤول في المنطقة وتتجول بلا مقرات ثابتة. لم يوافق اغلب الرفاق على المقترح لكونه يشكل خطرا على الانصار في وقت يسيطر الجيش العراقي والجحوش فيه على مناطق كردستان بشكل كامل. فلا يمكن لاحد البقاء في العمق العراقي، حيث ستكون تلك المفارز معرضة لملاحقة القوات العسكرية لها ومن ثم سهولة القضاء عليها. كما انها ستلاقي الصعوبات بأستلام التوجيهات والتعليمات من المسؤول لعدم وجود اجهزة اتصال لا سلكية كافية، اضافة الى ان العديد من القرارات الفردية ستجد لها وسطا خصبا وستشكل خطرا قاتلا لتلك المفارز، ناهيك عن استحالة الحصول على الارزاق في مناطق واسعة كانت مهجرة وخالية تماما من السكان .
ان وجود مقرات خلفية للانصار في مناطق ( محررة ) من الجيش والجحوش ضرورة لابد منها لراحة الانصار وتنظيم ادائهم وتدريبهم ومعالجتهم. كما ان العمل الجماعي سيقلص من فرصة القرارات الفردية والارتجالية .

اثير في ذلك الاجتماع موضوع حساس ومهم ويمكن ايجازه بالسؤال التالي: لمن تكون قيادة المنطقة ، للقائد العسكري ام للمسؤول الحزبي ؟؟.
اصر عمر الشيخ على موقفه بأن تكون القيادة للمسؤول الحزبي . وقد اعترضت بدوري على ذلك وابديت عدم استعدادي لتحمل المسؤولية. فقد كنت من مؤسسي حركة الانصار ومنذ اكثر من 15 سنة، واقود المنطقة حزبيا منذ عشرات السنين وعضو ل.م ومن ابناء المنطقة وقدرتي الحزبية ليست اقل من الاخرين. اصر الرفيق عمر الشيخ وخيّرني بين الموافقة او البقاء في دمشق فأخترت الموافقة (على مضض) بعد ان تبين لي مدى الاستبداد بالرأي لدى الرفيق عمر الشيخ.

سافرنا ( ابو حكمت وبهاء الدين وانا ) الى القامشلي حيث بقينا ليلة واحدة بأستظافة الرفاق السوريين، ومنها توجهنا الى تركيا عبر نصيبين حتى ( اولودره ) بالسيارة. فواصل ابو حكمت طريقه الى گوستا. وبرفقة رفاق من كوك واصلنا نحن سيرنا مشيا على الاقدام الى حيث رفاقنا في مقر كلي كوماته، الذي وصلناه ليلة 29 /7/ 1980 بعد اجتياز مدهش للحدود وهي عبارة عن جدول صغير ( روبار ) بعرض ثلاثة امتار تفصل بين تركيا والعراق ، كانت تنتصب امامنا على الجهة الثانية من الجدول غرف طينية يسكنها الشيوعيونالعراقيون. ومكث بهاء الدين اسبوعا كاملا في المقر قبل ان يغادر الى ناوزنك.

كانت اللجنة المركزية قد اقرت في اجتماعها الاخير الانظمام الى ( جوقد ) . الا ان الرفيق ابو سرباز وبعد عودته الى ( توژله ) قام برفقة الرفيق ابو ئاسوس بزيارة مقر حدك في راژان والتقيا هناك مسعود البرواني والمكتب السياسي ودخلا في محادثات سياسية ، وتم الاتفاق بينهم جميعا على قيام الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود ) .
ونتيجة لهذا التصرف غير المدروس من قبل رفاق قياديين، اصبح موقف الحزب حرجا ، فقد ادى دخولنا جود الى تجميد عضويتنا في جوقد. وهكذا اصبح للمعارضة العراقية جبهتان ( جوقد ) و ( جود ) ، وبرزت الاخيرة في الميدان السياسي وانظم لعضويتها كل من الحزب الاشتراكي في العراق والتجمع الديمقراطي العراقي وحزب الشعب الديمقراطي الكردستاني ، وبالمقابل انحسر نشاط جوقد، واستمرت جود حتى قيام جك لتحل محل الجبهتين .

(1) عبد الرحمن قاسملو ، سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ ايران ـ دكتوراه بالاقتصاد خريج جامعة براغ، يجيد اللغة الفارسية والتركية والجيكية والفرنسية والانكليزية والكردية والعربية من اهالي قرية قاسملو في (اورميا) الرضائية ، كان يناديني ب ( خالي ) لان والدته اثورية ، استشهد على ايدي المخابرات الايرانية اثناء اجتماعه مع وفد ايراني بحجة حل المشكلة الكردية

أوراق توما توماس ( 21 )

معركة قزلر ـ السليمانية
كان عدد من رفاق السليمانية قد التحقوا بقاعدة ناوزنك ، ومنهم من جاءوا مباشرة من قاعدة حلبجة لصعوبة الوضع المعيشي فيها خلافا لتحسن الوضع عندنا ، اذ كنا قد حصلنا على كمية لابأس بها من السلاح من اصدقائنا بما في ذلك بنادق رـ 3 الاوتوماتيكية التي خصصت للمفارز التي باشرت بالنزول الى عمق محافظة اربيل مما شجع رفاق السليمانية الى تقديم طلب للموافقة على ارسال مفرزة منهم الى ( شارباژير ) للاتصال بالجماهير والقيام بالدعاية من اجل رفع معنوياتها وايجاد العلاقة معها. وتم تشكيل مفرزة من 13 رفيق وصديق يقودها ملا حسين عسكريا وبمرافقة الرفيق فارس رحيم عضو محلية السليمانية مستشارا سياسيا لها، وكان في عدادها عدنان الطالقاني ( ابو هيمن ) (1) وهوعضو منطقة من الناصرية ومتزوج من ابنة نوري عثمان من اهالي السليمانية . وتم تسليح المفرزة بأسلحة قسم منها آلية وقسم اخرغير آلية. وقامت المفرزة بجولة في المنطقة لعدة ايام دون ان تصطدم  بأية عراقيل.
وفي يوم 24/3/1980 إقتربت من قرية قزلر، فاتفق الرفاق على تناول طعامهم في القرية دون ان يعترض احد منهم رغم وجود قرار واضح بعدم دخولهم القرى نهارا. دخلت المفرزة الى القرية دون وضع حراسة مشددة لها، وتوجه الرفاق فورا الى الجامع وانتظروا ان يجلب لهم الطعام.
فوجئوا في تلك الاثناء بطائرات هليوكوبتر تهبط قرب الجامع وبعد ان افرغت حمولتها من المرتزقة الجحوش الذين باشروا بأطلاق كثيف للنار بأتجاه الجامع عادت سبع حوامات اخرى الى القرية وانزلت حمولتها من الجنود .
كانت مفاجئة قاتلة للانصار فأضطروا لدخول معركة غير متكافئة في محاولة منهم للانسحاب نحو الجبل ، فأستشهد اثناء القتال خمسة رفاق  فيما استطاع بقية الانصار من الوصول الى الجبل حيث تحصنوا هناك.
تأخر ابو هيمن من اللحاق بهم اثناء تركهم القرية واعتبروه شهيدا لكنه التحق بهم بعد انسحاب المرتزقة والجيش ، وادعى انه اثناء القتال اختفى بدورة المياه حتى انسحاب تلك القوة .. وعلى الرغم من ان موقع اختفائه كان مكشوفا تماما ، وعدد افراد القوة المهاجمة  كبير ويغطي معظم مناطق القرية ، الا ان تأخره في القرية وتبريره لذلك التأخر لم يثرا أي اهتمام واعتبرت المسألة اعتيادية .

كان الهجوم المباغت والمحكم بدقة وبذلك الشكل الخاطف ، بحد ذاته يثير شكوكا ، من ان العملية لم تكن عفوية وغير مدروسة ومخطط لها مسبقا ، ولا بد انها اعتمدت معلومات دقيقة عن تحركات المفرزة حتى دخولها تلك القرية. ولم ينتبه احد الى ربط كل ذلك بتأخر ابو هيمن في القرية في حينها .

لكن بعد حين تكشفت امور كثيرة عنه، اكدت علاقته بالمخابرات واجهزتها خلال تواجده في الداخل. الامر الذي عزز الشكوك بعلاقته بأشعارالسلطة بمعلومات عن تحركات المفرزة ودخولها قزلر .

في الساعة السابعة مساءًا، شرع اهالي القرية بالتحرك لتفقد الموقف بعد انسحاب الجيش والمرتزقة منها. ففي الجامع سقط الشهيد فلاح وعلى سفح الجبل كانت جثة البطل ملا حسين مثقبة برصاص طائرات الهيليوكوبتر وعلى مشارف القرية من الجهة الاخرى تناثرت اجساد شهدائنا الأبرار( شاهو، هژار، معتصم عبد الكريم ).
وهكذا فقدنا خمسة شهداء نتيجة اهمال قيادة المفرزة وعدم الالتزام بالقرارات .

تمت مراسيم الدفن بمساعدة اهل القرية ليلا. وفي الصباح، ودع الانصار اهل القرية شاكرين لهم مساعدتهم وضيافتهم . وعلمت المفرزة ان خسائر العدو كانت 6 قتلى و 12 جريح ، ويذكر ان المرتزقة عادوا الى القرية ونبشوا قبور الشهداء وحملوا الجثث معهم.

اعتقد بعض الرفاق بأن معركة قزلر والخسارة الجسيمة ستؤثر سلبا على الانصار وتحد من اندفاعهم في العمل المسلح ، ولكن ما لاحظناه كان عكس ذلك تماما ، حيث ازداد حماس الرفاق ، واصبحت كلمة قزلر تطلق على المنظمات الجهادية واعتبرت اول مأثرة بطولية يقدمها الانصار بعد معركة جوار قورنة.
لقد استغلت سلطة البعث الاوضاع الصعبة التي مر بها حزبنا وعدم امكانية سيطرته على الوضع الناشيء بسبب الضربات التي وجهتها لكل تنظيماته. فعندما توجه الحزب لتشكيل فصائل الانصار، باشرت السلطة بإعتماد اسلوب الاختراق والاندساس لمحاربة التشكيلات الأولى في بدء انطلاقتها قبل ان تترسخ وتتعزز فيها تقاليد عمل وضوابط وحتى قدرات ذاتية لدى الانصار تجعلها اكثر صلابة ومتانة من ان تخترق بأساليب باتت معروفة ومفضوحة ، وحينها تغيرت اساليب السلطة لتباشر من خلال عملائها ومرتزقتها القيام بالاغتيالات وبالاعمال التخريبية ضد مقراتنا ، طوال فترات لم تتمكن فيها من شن تقدمات عسكرية ضخمة على مناطق تلك المقرات .
 
التشكيلات الاولى للانصار والمفارز

تقرر تشكيل مفرزة مسلحة ( سرية ) للتوجه الى العمق تحت قيادة الرفيق (كاويس). وقدم الرفيق (ملا نفطه) طلبا بمرافقة السرية كمستشار سياسي بإعتباره كان عضوا في محلية اربيل. رفض الرفيق كاويس ذلك الطلب بسبب وضع الرفيق (ملا نفطه) الصحي وعدم امكانيته مواكبة مسير المفرزة خاصة وانها ستتوجه الى العمق وقد تتعرض لملاحقة السلطة.
وافقت هيئة ( هندرين ) على طلب (ملا نفطه) ليرافق السرية بعد ان هيأ له حصان لتسهيل تنقله. وفي طريقهم صادفهم شاب طلب منهم مرافقة مفرزتهم  فلم يعترضوا وسلم (ملا نفطه) مقود حصانه للشاب الغريب ليصبح ملازما له حتى وصولهم الى احدى القرى التي استقر رأيهم على الاستراحة وتناول العشاء فيها.
توزع الانصار على البيوت ، عندها ترجل (ملا نفطه) وسلم الحصان الى مرافقه الشاب. كان الحصان محملا بهدايا الانصار لعوائلهم مع قاذفة صواريخ ـ بازوكة. وعند تهيؤ المفرزة للمغادرة ولمواصلة المسير لم يجدوا للحصان أي اثر ، بعدها علموا ان الشاب الذي رافقهم اخذ الحصان الى احدى ربايا الجيش وسلمه هناك. كانت السلطة توزع عملائها في المنطقة لملاحقة الانصار والكوادر الحزبية الذين كانوا يعملون في الريف. وكانت محلية اربيل قد شخصت احد رفاقها  ( نظيف ) لمتابعة عمل الحزب في ريف كوي وان يكون ضمن السرايا وبحمايتها. ولم يلتزم (نظيف) بالقرار بل اخذ يتجول لوحده بين القرى وهيأ بذلك فرصة جيدة لازلام السلطة لاغتياله اثناء احدى  جولاته في ريف كوي سنجق .
ومع ذلك فقد تطور عمل الانصار عددا وتسليحا واصبح ضروريا القيام بتنظيمهم ضمن وحدات انصارية ، فقد ارسل لنا رفاق حزب توده ايران، وخاصة منظمة الحزب في كردستان ايران، كميات من الاسلحة  حسب طلب قيادة حزبهم بجمع الاسلحة من ثكنات الجيش الايراني بعد انهياره اثر انتصار الثورة الايرانية، وتقديم ما يتم مصادرته من الاسلحة الى الحزب الشيوعي العراقي .
واثر ذلك بات انصارنا يملكون قرابة (200) قطعة سلاح بالاضافة الى الدوشكات والمدافع…الخ، وجاءت خطوة رفاقنا في حزب توده في المساهمة في سد احياجاتنا من الاسلحة لتوفر للانصار وضعا افضل بكثير مما كانوا عليه ، خاصة وان الطرق الاخرى لوصول السلاح لم تكن مطروقة بعد . ولتسهيل مهمة قيادة عمل الانصار تم تشكيل السرايا حسب المناطق حيث تشكلت : 
سرية بتوين :تشكلت من رفاق واصدقاء رانيه، وتعدادها (40) نصيرا، ومقرها في قرية (وه لي) ، ويقودها الرفيق (محمود حاجي) ويساعده (علي حاجي) ، ومسشارها السياسي الرفيق (عارف) ومنطقة عملها رانيه وريفها .
سرية بشدر : تشكلت من رفاق واصدقاء قلعة دزة ، وتجاوز عددها ( 40 ) نصيرا ، ومقرها في قرية (زه لي) ويقودها الرفيق (سليم سور)، ومستشارها السياسي الرفيق (محمود فقي خدر) ، ومنطقة عملها قلعة دزة (بشدر).
سرية بهدينان : تشكلت من رفاق بهدينان الملتحقين في منطقة اربيل وعددها ( 35 ) نصيرا ويقودها الرفيق (علي خليل) ، لم تقم بأية اعمال عسكرية ، بل تم ارسالها الى منطقة بهدينان .
السرية الرابعة : وتكونت من الرفاق من غير الاكراد الذين التحقوا من محافظات العراق وتجاوز عددها (50 ) رفيقا ويقودها الرفيق صبحي خضر( ابو سربست ) ومقرها في (ناوزنك) .
سرية الادارة : وهي سرية مختلطة ، وتقوم بمهمات الادارية كالتسوق والنقل والخبازة .. الخ وكان يقودها الرفيق (ابو احمد) (2) ، ويساعده الرفيق (ابو شاكر) (3) ، وعددها بحدود ( 15 ) رفيقا .
سرية الحماية : كانت تتكون من ( 20 ) رفيقا ، ومسؤولها الرفيق (ملازم ابو ميسون) وواجباتها حماية مقر المكتب العسكري ومرافقة الرفاق اعضاء المكتب عند تحركهم ، ومسشارها السياسي الرفيق (علي مالية) . 
سرية حماية هندرين : وتقوم بحراسة مقر الاقليم في (توژه له) وتعدادها ( 40 ) رفيقا وواجباتها مرافقة الرفاق القياديين عند تحركهم .
وكانت هناك عدة سرايا اخرى، تتجول في المنطقة ولها قياداتها الخاصة بها ومستقلة عن بعضها البعض وكان عدد اعضائها بحدود ( 100 ) نصير .
تم تعزيز مقر كَوستا بارسال عدد من الانصار الى القاعدة، حيث  قاموا بنشاطات عسكرية ناجحة في منطقة (سيده كان) و(كاني ره ش) وغيرها بعد ان تم دعمهم بالسلاح .
كان لدور قيادة سرية الادارة تأثيرا ايجابيا على الانصار بالحرص على توفير المواد الغذائية والتقليل من التبذير، وتم وضع جدول باستحقاقات الرفيق من الارزاق والوقود واتبع مسؤولها اسلوبا مقنعا للانصار للتقليل من تبذير المواد، فاصدر التعليمات بامكانية الاستفادة من المواد الفائضة عن استهلاك الرفاق بمواد اخرى يحتاجها ( وفق قيمتها ) مثلا يتم تبديل الكمية الموفرة من الطحين بما يقابلها من السكر والشاي .. الخ. وهكذا تم تشجيع الانصار على الاحتفاظ بالفائض من بعض المواد التي كانت تبذر ولا يستفاد منها الانصار.
ورغم الفترة القصيرة التي قضاها الرفيقان ابو احمد ، وابو شاكر في صفوف الانصار الا انهما قد تركا انطباعات رائعة عن التفاني الشيوعي.
في تلك الفترة لم تكن قيادة الانصار متمركزة في مكان محدد بسبب بعد المناطق عن بعضها وعدم وجود اجهزة الاتصال للربط فيما بينها وبين المركز. لذلك كان الوضع مرتبكاً، فمنطقة بهدينان مثلا كانت تقاد من قبل رفاقنا المتواجدين في سوريا.
ولكن بعد حصولنا على بعض اجهزة الأتصال بعيدة المدى كجهاز 109 روسي، تم ربط اربيل والسليمانية وكوستا مع هندرين واخيرا تم ربط بهدينان كذلك.
وبعد اجتماع ل.م في حزيران 1980، تم تشخيص لجنة مركزية لقيادة الانصار، وتوزيع العمل في مسعى لمركزة العمل العسكري. وقد لاقينا صعوبات جمة في هذا الجانب اي مركزة العمل العسكري بسبب قلة خبرة الرفاق وسيادة النزعة الفردية والتسلط لدى بعضهم ، والتدخل غير المبرر في شؤون الانصار وعدم فسح  المجال وتوفير الفرص لمن لهم القدرة على القيادة ومن منطلقات ذاتية بحته ، وقد رافقتنا الكثير من تلك الصعوبات والنواقص حتى حملة الانفال .
ــــــــــــــــــ
(1) عدنان الطالقاني ـ ابو هيمن ـ التحق بقاعدة نوزنك صيف 1979 ( عضو منطقة ) ولم يجر التعامل معه وفق صفته الحزبية لاسباب نجهلها. ارسل للعمل في الداخل وكان ينتقل بحرية بين بغداد وكردستان. اثيرت حوله الشكوك على انه يعمل لحساب الامن. كانت اخر مرة جاء الى كردستان خريف 1985 بغية المشاركة في المؤتمر الرابع ، ولم يسمح له لاسباب امنية. ومع ذلك ارسل الى بغداد رغم ملاحظات العديد من الرفاق ، وكانت المرة الاخيرة لزيارته كردستان. تأكد عمله في الامن والمخابرات ، سافر ابنه اواخر سنة 1995عن طريق الحزب مارا من القامشلي بمساعدة الحزب وبتزكية من م.س ومسؤول العبور في القامشلي .
(2) عبد الرحمن القصاب ، عضو محلية الموصل ، من الرفاق القياديين ، لاحقته القوى الرجعية وحكم عليه بالاعدام بحوادث الموصل ( الشواف ) غادر العراق سنة 1960 وعاد سنة 971  .
(3) عادل سفر ، عضو محلية الموصل ، حكم عليه بالاعدام باحداث الموصل ( الشواف ).

أوراق توما توماس ( 20 )

محطات بهاء الدين نوري
يصعب على بهاء الدين نوري العمل بشكل جماعي، فهو ينطلق بأستمرار في كل خطواته من منطلق الانفراد بالعمل. وتجلى اسلوبه هذا في مقترحه الجديد بتأسيس وزرع محطات في الاراضي التركية لاستلام السلاح من سوريا في وقت لم تصل الينا اية تعليمات من قيادة الحزب الموجودة في سوريا حول امكانية من هذا القبيل. كما اننا لم نكن نملك شيئا من المال لاعالة رفاقنا في حالة بقائهم في تلك المحطات، ومع ذلك فقد قررنا احالة المقترح الى المكتب السياسي لابداء الرأي والمساعدة المالية.
عدت الى ناوزنك ، وغادر الرفيق ابو سرباز الى حلبجة لزيارة الرفاق هناك. وما هي الا ايام حتى وصلتني رسالة من بهاء يطلب فيها وعلى جناح السرعة ارسال الرفيق علي خليل ( ابو ماجد ) مع خمسة رفاق بدون سلاح، بعد تزويدهم بمبلغ من المال ، كي يتوجهوا الى الأراضي التركية لفتح محطة لاستلام السلاح. ولم نكن نعرف مكان المحطة ولا كيفية وصول السلاح ومتى سيصل. لم البي طلبه واخبرته بضرورة انتظار عودة الرفيق ابو سرباز لدراسة الموضوع. واخيرا قررنا فتح مقر في الاراضي الايرانية على الحدود التركية في منطقة (سيرو)، وشخصنا الرفيق شيخ سعيد البرزنجي مسؤولا عنه. وانتظر الرفاق طويلا دون ان يصل شيئ من السلاح الموعود ، فأضطررنا لسحبهم.
……..
توترت العلاقة مع البعث اكثر من السابق واغلقت طريق الشعب. كما اعفي الوزيران واعضاء المجلسين التشريعي والتنفيذي والتحق قسم منهم بقواعدنا، وبقي قسم اخر في الداخل بعد ان تعهد بعدم مواصلة النشاط في الحزب الشيوعي والاحزاب الاخرى ، ما عدا النشاط في صفوف البعث.
وصل ابو حكمت الى ناوزنك اوائل ايار 1979، واصبح عددنا اربعة رفاق من اعضاء اللجنة المركزية عدا ابو ئاسوس. وبعد فترة قصيرة طلب بهاء السفر الى سوريا للالتقاء برفاق اللجنة المركزية الاخرين في محاولة للحصول على مبلغ من قيادة الحزب لدعم الرفاق في كردستان. الا انه ذهب ولم يرجع ، ولم يرسل شيئا ، وبقينا بنفس الاوضاع فترة اخرى لحين استلامنا مبلغا من قيادة الحزب كان قد ارسل مع زوجة جلال الطالباني.
لم يستوعب حلفاؤنا ( في كردستان ) سياسة حزبنا ، فمنهم من يقول بأن الحزب غير جاد بالكفاح المسلح رغم تواجد انصار الحزب في كردستان ، مستندين في ذلك الى ما صدر من تصريحات وبيانات تحبذ العودة الى التعاون مع البعث. ففي احد اللقاءات مع الاحزاب الكردية ( العراقية والايرانية ) المتواجدة في المنطقة، تحدث الشيخ عزالدين الحسيني (1) حول هذا الموضوع، فأكدت له بأن حزبنا جاد بسياسته الجديدة. لكن جلال الطالباني ذكر بأن الحزب قد اصدر بيانا بهذا المضمون في الخارج ( أي العودة الى التحالف الجبهوي مع البعث )، وكان يعني عدم جدية الحزب بأنتهاج اسلوب الكفاح المسلح . لم نتفق معه لاننا وببساطة لم نستلم مثل هذا البيان ، لكننا علمنا فيما بعد بأن الرفاق في الداخل كانوا قد اصدروا شيئا من هذا القبيل.
ادت تلك المواقف الى خلق بلبلة فكرية،. وتعمقت اكثر هذه البلبلة بسبب تأخر اصدار قرار حزبي بتبني الكفاح المسلح، ذلك القرار الذي اكد على " انهاء الحكم الدكتاتوري " وليس اسقاطه. اذ لم تقتنع اغلب القواعد الحزبية بما بررته قيادة الحزب من ان " انهاء الدكتاتورية " في الحقيقة هو تعبير عن الدعوة لاسقاط الحكم. وبقناعتي، اذا كان تبرير القيادة صحيحا ، فلماذا لم تتبنى اذن " اسقاط الدكتاتورية " بدلا عن الانهاء الذي يحتمل تفسيرات اخرى ويحمل بين طياته الكثير من الضبابية، وكان القرار قد اتخذ في اجتماع اللجنة المركزية  تموز 1979 ، والذي لم نستطع ابو سرباز وانا من حضوره بسبب عدم تمكننا من السفر.
ومع ذلك فقد رفع الحزب شعار الكفاح المسلح ، وتم دعم الانصار ماديا ، ووصلت طلائع الملتحقين من الخارج في بداية عام 1980 الى بهدينان . وفي ربيع تلك السنة وصلت اولى وجبات السلاح. وكان من اوائل الملتحقين الرفيق محمد يوسف من بشدر ( توفي عام 1994 بعد استشهاد ابنه بفترة قصيرة ).
تأسيس القواعد في بهدينان
قاعدة بهدينان الاولى ـ قاعدة كَوستا
تطلب تطوير حركة الانصار تضحيات جسيمة من قبل اولئك الرفاق الذين وضعوا اللبنات الاولى لمقرات الانصار في بهدينان، والذين كانوا هم بأمس الحاجة لابسط مقومات المعيشة، ولم يثنهم البرد والمخاطر عن انجاز مهمتهم. كان أولئك الرفاق بمعاناتهم ، محصورين بين مطرقة سلطة البعث وسندان السلطات التركية دون ان يملكوا سلاحا يدافعون به عن أنفسهم .
بتاريخ 5 /10/ 1979، وصلت مجموعة من سبعة رفاق يقودهم الرفيق دنخا البازي (ابو باز) الى الشريط الحدودي مع تركيا في منطقة تسمى ( كلي كوماته ) (2)، حيث يقع مقر الفرع الاول للحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) الذي استضافهم. وقد ساعدهم الدكتور جرجيس حسن (3) مسؤول المقر. كان الرفاق السبعة قد قدموا من مناطق مختلفة من العراق ، الا ان جميعهم لم يكونوا من منطقة كردستان ولم يكونوا اكرادا.
الأنصار في الأيام الاولى
لم تملك المفرزة شيئا من السلاح سوى 3 قطع من رشاش برتا الايطالي لا تصلح الا لقتال الشوارع ، ولم يكن بحوزتهم اي مبلغ من المال .
باشر الرفاق فور وصولهم ببناء غرفة لهم ، اصبحت فيما بعد البناية الاولى في موقع انصار بهدينان، حيث بدأت بإستقبال الرفاق الوافدين ومنها كان يجري توزيعهم الى باقي المقرات.
وواجهنا من جديد مواقف بهاء وقراراته الارتجالية والفردية، حيث اصدر دون علمنا اوامره من سوريا للرفاق في كلي كوماته بالتحرك الى منطقة هيركي لفتح قاعدة لهم هناك، دون ان يعرف اين تقع هيركي، ودون مفاتحة حدك او الاتفاق معهم حول ذلك.
وبدلا من ان يناقش الرفيق ابو باز هذا القرار ويدققه من جميع جوانبه، وان يأخذ الاحتياطات اللازمة لسلامة الرفاق ، شّكل مفرزة من 25 رفيقا وتحت قيادته مزودين برشاش برتا واحد لا غير وبمسدس ابو باز الشخصي ودون ان يملكوا اي مبلغ من المال او اي دليل للمنطقة. وتحركت المفرزة يوم 22 /11/ 1979 من كلي كوماته، ليصلوا بعد ثلاثة ايام الى المنطقة المعنية. الا ان مسؤولي حدك هناك لم يسمحوا لهم بالبقاء فيها او فتح مقر بحجة عدم حصولهم على تصريح من قيادة حدك للسماح لهم بفتح مقر في تلك المنطقة . وبدلا من العودة الى مقر كوماته، قرروا السير قدما نحو الشرق … الى المجهول وبلا هدف محدد. وبعد مسيرة شاقة لعدة ايام في الاراضي التركية وصلوا الى منطقة (كوستا) قرب المثلث الحدودي العراقي الايراني التركي ، حيث يقع هناك مقر القيادة المؤقته التي ساعدتهم، كما أستفادوا من بعض الاكواخ المهجورة.
كان الخطر يهدد حياة الرفاق، فلا نقود لديهم لشراء الارزاق او الافرشة، إضافة الى ان احتمالات انقطاع الطرق واردة جدا بسبب موسم الشتاء.
ان التزام الرفيق ابو باز بتنفيذ قرار بهاء للتوجه الى هيركي يمكن تبريره، ولكن لا يمكن بأي حال من الاحوال تبريرالاستمرار بالسير شرقا بعد اعتراض حدك على البقاء في تلك المنطقة.
وفي النهاية، تمكن الرفاق من استدانة مبلغ من المال من احد اغوات المنطقة وتمكنوا من شراء الارزاق وبعض الافرشة لحين وصول النقود اليهم .
ففي شباط عام 1980 تمكنا من الاتصال مع مقر (كوستا)، حيث وصل مسؤولها الرفيق ابو باز الى (ناوزنك) وعرض وضع الرفاق هناك ومصاعبهم وحاجتهم الماسة للسلاح.
وقد اتخذ المكتب العسكري قرارا بدعم المقر ماديا وعسكريا، وتم تنسيب الرفيق مام خدر لقيادتها ويساعده الرفيق خضر حسين. وتم سحب الرفيق ابو باز لغرض اعادته الى بهدينان مع رفاق من ابناء المنطقة، وحددت علاقة مقر كوستا مع لجنة هندرين (4) مباشرة .
بعد وصول الرفيق عمر الشيخ (ابو فاروق ) تحسنت اوضاعنا المالية قليلا ، اذ جلب معه مبلغا جيدا فتمكنا حينها من شراء بعض قطع السلاح وباشرنا بدفع مخصصات شهرية للانصار.
تشكلت لجنة هندرين، كهيئة قيادية عليا، لقيادة عمل الانصار ومنظمات الحزب في كردستان بمعزل عن الانصار من الرفاق عمر الشيخ كسكرتير لها وعضوية الرفاق احمد باني خيلاني (ابو سرباز) ويوسف القس حنا (ابوحكمت) وتوما توماس (ابوجميل) مسؤولا للمكتب العسكري وسليمان شيخ محمد (ابوسيروان) ونسب الرفيق فاتح رسول (ابوئاسوس) مستشارا سياسيا للانصار وعضوا في المكتب العسكري .
وفي اوائل عام 1980 وصل الرفيق عبد الوهاب طاهر من الداخل ونسّب ايضا الى عضوية هندرين.
حينما وصل الرفيق ابو فاروق الى المنطقة، كانت فصائل الانصار قد تطورت وانتقلت الى ساحة العمل العسكري في اربيل والسليمانية، في وقت كان الرفيق عمر يتحفظ على اعلان الكفاح المسلح ويتجّنب رفع هذا الشعار في اعلامنا ويعمل على التعتيم على فعاليات انصارنا ويدعو الى عدم نشرها .
وحينما اعلنا عن عدة فعاليات عسكرية قام بها انصارنا في جوار قورنة وقزلر في صحيفة مردم لحزب تودة ايران، ابدى الرفيق اعتراضه، واعتبر ذلك خرقا وعملا ضد سياسة الحزب، لان شعارالكفاح المسلح لم يعلن بعد. واعترض الرفيق بشدة عندما اصدرنا جريدة (ريبازي بيشمركَة) (نهج الانصار)، وهي تحمل شعار الحزب على صدر صفحتها الاولى ، مبررا اعتراضه بكونها جريدة غير حزبية.
في تلك الفترة قررنا ارسال الرفاق الى بهدينان. وكنا بحاجة ماسّة لتزويدهم بالسلاح ، فطلبنا مساعدة (حدك) اثناء زيارة قمنا بها ( ابو حكمت وانا ) الى (راژان) عشية انعقاد مؤتمر حدك خريف 1979. و تحدثنا مع كاك مسعود البرزاني وبحضور سامي عبد الرحمن (5)، مقترحين اعارتنا (50) بندقية بشكل مؤقت على ان نعيدها لهم في بهدينان. فأشترطا علينا نقل مقرنا من منطقة تمركز جلال الطالباني الى منطقة تمركز (حدك). رفضنا ذلك الطلب، واوضحنا بأننا حينما قدمنا الى كردستان لم تكن لهم اية مقرات، وكان جلال الوحيد هنا وقد قدم لنا الكثير من المساعدات ، لكن هذا لا يعني اننا تابعون لاحد لكوننا قريبين من هذا المقر او ذاك.
وحينما طلب سامي عبد الرحمن وكحل وسط ابعاد مقرنا على الاقل، رفضنا لاننا لا نقبل التعامل بشروط، علما بأننا كنا قد ساعدنا (حدك) ب230 بندقية كلاشنكوف اخمص حديد مع مخازنها وعتادها ، على امل تسليمها لرفاقنا في سوران ، وما زالت بذمتهم حتى الان.
واخيرا اضطررنا الى ارسال رفاقنا الى بهدينان عبر الاراضي التركية دون ان نزودهم بأية قطعة سلاح.

(1) عزالدين الحسيني ، رجل دين ايراني من المعارضة كان مع اخوه ملا جلال يقودون مجموعة من المسلحين الاكراد الايرانيين في قرية شني العراقية الحدودية .
(2) كلي كوماتا ـ وادي يمر فيه نهر صغير يفصل العراق عن تركيا على مجرى الخابور وهي منطقة يحميها جبل عال ، اتخذها البيشمركة مقرا لهم .
(3) دكتور جرجيس حسن عضو ل.م ( م.س حاليا ) من سكنة قرية خنس الاثرية ( عين سفني ) انتقلت عائلته بسبب احداث كردستان الى عين سفني ، مزوري خريج الاتحاد السوفياتي دكتوراه في التاريخ الكردي .
(4) لجنة هندرين . هيئة قيادية حزبية عسكرية ، تشكلت من رفاق ل.م المتواجدين في كردستان ، استمرت في قيادة فصائل الانصار حتى  استلام المهمة من قبل م . س اذ اقتصر عملها على التنظيم الحزبي داخل المدن الكرستانية .
(5) - تم حل القيادة المؤقتة بعد مؤتمر (حدك) ولم يفز احد من قيادتها في اللجنة المركزية الجديدة للحزب الديمقراطي الكردستاني ، فترك سامي عبد الرحمن المنطقة متوجها الى طهران في طريقه الى الخارج ، وتم توقيفه في طهران وبعد ان اطلق سراحه توجه الى سوريا وشكل حزبا جديدا من عناصر القيادة المؤقتة الذين لم ينظموا الى حدك تحت اسم (حزب الشعب الديمقراطي الكردستاني) ( حشدك ) ، وبقي في سوريا حيث لم يسمح له بالتواجد في بهدينان ، الا ان مفارزهم كانت تدخل سريا الى كردستان وكثيرا ما كانوا يلتجئون الى مقراتنا . وكثيرا ما كنا نحاول مع (حدك) لايجاد حل للمشكلة دون جدوى ، وكثيرا ما تعكر الجو بيننا وبين (حدك) بسبب ذلك وفي حالات كثيرة افلحنا في اخلاء سبيل العديد من بيش مركة (حشدك) عند اسرهم من قبل بيش مركة(حدك) .
في اواسط سنة 1982 قام (حشدك) مع قيادة قطر العراق بارسال قوة مشتركة تحت قيادة عبد الله صالح وكريم سنجاري عضوي المكتب السياسي ل (حشدك) في حملة غزو للمنطقة التي تحت قيادة (حدك) واحتلت القوة قرية سناط (على الحدود مع تركيا) وأقاموا الربايا على قمم الجبال المحيطة بها.
وقد اعتبر (حدك) ذلك ، خطرا على وجوده وطريقه من والى سوريا. وبحث تلك التطورات على لجنة الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود) في بهدينان. وكان رأي اللجنة هو تحاشي الصدام ، والطلب من الاخوة في (حشدك) الانسحاب مقابل موافقة رسمية من (حدك) بالسماح ل(حشدك) بالتواجد في كردستان، وكتبت اللجنة رسالة لهم بهذا المفهوم ، الا انها لم تلقي الاستجابة منهم. واخيرا ارسل (حدك) قوة كبيرة من البيش مركة الى سناط حيث تمكنت من ازاحتهم واعتقال مجموعة منهم فأنسحبوا ثانية بأتجاه سوريا. وكان من ضمن الاسرى عدد من منتسبي حزب البعث ـ قيادة قطر العراق ـ. كما وقع بالاسر بأيدي السلطات التركية مجموعة من المسلحين من منتسبي جماعة الاسلاميين بقيادة عريف سلو الذي قامت تلك السلطات بأعدامه.

أوراق توما توماس ( 19 )

تشكيلات الانصار ـ الايام الصعبة الاولى
في ناوزنك (1) تجّمع رفاقنا في كوخ صغير بناه الپيش مرگة التابعبن لجلال الطالباني ليكون سجنا لعملاء السلطة، ولا يتسع لاكثر من ستة اشخاص، ولا يبعد عن المقر القيادي لجلال سوى مائة متر. ويحجب الكوخ مرتفع جبلي، فخصصه الرفاق سكنا للكادر الحزبي ، وسكنوا هم في خيام صغيرة لا تقيهم من المطر والبرد.
اعتبر الرفاق وصولنا خطوة هامة على طريق اهتمام الحزب بالمرحلة النضالية الجديدة. فوجود رفيقين من قيادة الحزب هو دليل على ذلك الاهتمام .
بقينا جميعا بلا اية افرشة وبلا تدفئة، واقتصرت التغذية على الخبز والبطاطس والقليل من التمر. ولم يكن بحوزتنا اي مبلغ من المال سوى ما تبرع به رفاق واصدقاء حزب توده في منطقتي سره دشت و مهاباد، اضافة لمبلغ 2400 دينار جلبتها معي.
كان عدد الرفاق يقرب من 80 رفيق وصديق، ولانملك من السلاح سوى 6 بنادق جلبها رفاق منطقة بشدر وبتوين معهم .
وتوالى وصول الرفاق من بغداد واربيل والموصل. وقد استشهد الرفيقين خليل سمو ( عضو المحلية ) وهو من اهالي بحزاني، وكواش خدر ( ابو سمرة ) الذي كان يعمل حارس في مقر اللجنة المركزية وهو من اهالي بحزاني ايضا، اثناء هجوم طائرتي هليكوبتر على قرية سماقولي وصادف وجود الرفيقين هناك وهما في طريقهما للالتحاق بنا نهاية اذار 1979 . وتم دفنهما في سماقولي .
ورغم المصاعب ، ورغم ما مرت به منظماتنا منذ عام 1978 من منعطفات حادة، الا ان اصرار الرفاق كان بأتجاه النضال المسلح لمواجهة عنف السلطة وانقاذ ما يمكن انقاذه من تنظيمات الحزب، و رد الاعتبار لمكانة الحزب وهيبته على الساحة السياسية.
كانت بداية التشكيلات الاولى للانصار اواخر عام 1978 عفوية، ولم تسبقها دراسة او تهيئة من قيادة الحزب. وواجه الرفاق اوضاعا صعبة وقاسية وخطيرة للغاية عند وصولهم الى ناوزنك، حتمت عليهم تنظيم انفسهم ، ودفعتهم للعمل من اجل الحصول على اية قطعة سلاح للدفاع عن حياتهم .
وهكذا تشكلت النواة الانصارية من رفاق قدموا من مختلف مناطق العراق ، ينقصهم السلاح والتموين والخبرة واهم من كل ذلك ينقصهم القرار الحزبي .
في اواخر شهر اذارعام 1979 ، كنت في ناوزنك ، عندما وصلتني رسالة من مهاباد يعلن مرسلها انه ( ابو سلام )، ويطلب فيها حضوري الى مهاباد. استغربت من ان الرسالة مرسلة من رفيق اخر غير الرفيق ابو سرباز، وهو المسؤول الاول في المنطقة وعضو مكتب الاقليم .
وصلت مهاباد وفوجئت بوجود بهاء الدين نوري ، و لم اكن اتوقع مجيئه لعدم اشعارنا بذلك من قبل قيادة الحزب، اضافة الى انه كان قد سبق الجميع بمغادرة العراق. ولم يكن بهاء يحمل اية رسالة من رفاق اللجنة المركزية الموجودين في سوريا، والاكثر غرابة من كل ذلك هو دعوته لنا للاجتماع. انتقدت الرفيق ابو سرباز على افساحه المجال لممارسة غير صحيحة، فكلانا ( ابو سرباز وانا ) اعضاء في مكتب الاقليم ولم تكن لبهاء اية صلة بالاقليم .
بعد ايام وصل الرفيق كريم احمد ( ابوسليم )، واعتبرنا وصوله خطوة اضافية اخرى على طريق تكريس توجهنا لتشكيل فصائل الانصار، رغم عدم وجود قرار حزبي بتشكيلها.
عقدنا اجتماعا قاده ابوسليم وبحضور( ابوسرباز وبهاء وانا )، ولم يدعى إليه ابو ئاسوس بسبب تجميد عضويته في اللجنة المركزية على ضوء التقرير المقدم من ابو حكمت ، كونه ( ابوئاسوس ) ترك منظمته واختفى وقطع اتصاله مع مكتب الاقليم لمدة شهر واعتبر تصرفه ذاك ضعفا منه.
تحدثت في الاجتماع عن تصرفات بهاء اللااصولية وطلبت تثبيت مسؤولية الرفيق ابو سرباز واتباع الاصول التنظيمية السليمة في عملنا. بعد الاجتماع طلب بهاء التوجه الى ناوزنك للالتقاء بالرفاق هناك ، فطلبنا منه التريث للذهاب معا برفقة ابو سليم ، لكنه لم يوافق وغادر رغم اعتراضنا الى ناوزنك.
وصل بهاء الدين نوري الى ناوزنك وقام بخرق تنظيمي آخر، اذ دعى الرفاق الى اجتماع موسع ، اجرى فيه انتخاب هيئات جديدة للقاعدة بعد ان حل التشكيلات القائمة انذاك ، وقام بعملية استطلاع مفتعلة في مناطق العمق الايراني لايجاد مواقع لاختفاء الرفاق في حالة اي هجوم عراقي، لان قيادة الحزب، حسب إدعاءاته، ليست جادة بتسليحهم، وانه يفضل انسحابهم بإتجاه الاراضي الايرانية. و كانت غاية بهاء في ذلك تحريض القواعد الحزبية ضد قيادة الحزب وخلق وضع فكري مرتبك يستفاد منه .
ولم يلتزم ايضا بقرارنا بإنتظار الرفيق ابو سليم للالتقاء ( جميعنا ) مع جلال الطالباني ، حيث اجتمع به بمفرده تاركا لديه انطباعا سيئا، نقله جلال للرفيق ابو سليم اثناء لقاءهما فيما بعد .
وحينما رجع بهاء الى مهاباد، عقدنا اجتماعاً شرح فيه ما قام به من اجراءات في ناوزنك، واقترح نقلي الى مهاباد كمسؤول للمالية ( ونحن لا نملك شيئا من المال ) وطرح افكارا لتغييرات في التشكيلات الاخرى. لم نوافق على ما قام به ، واعتبرنا ذلك خرقا للاصول التنظيمية ، وقررنا العمل وفق التشكيلات الاولى. ولم تكن غاية بهاء من كل تلك الخطوات سوى التحكم بقيادة الانصار.
عدنا الى ناوزنك حيث التقى ابو سليم بالرفاق هناك واطلع على تلك الظروف المأساوية التي يعيشون بها ، فلم يستطع السيطرة على مشاعره فأجهش بالبكاء. ربما اختلطت فرحة اللقاء بالرفاق مع الشعور بالتقصير سواء كان متعمدا او خارج الارادة.
كان وضع الرفاق مؤلما جدا، ولم يجلب لهم الرفيق ابو سليم شيئا على الاطلاق، ولكن رغم ذلك اعتبروا مجرد مجيئه بادرة طيبة.
وعقد الرفيق اجتماعا مع الرفاق تحدث فيه عن وضع الحزب بشكل عام وسياسته الجديدة على ضوء التطورات الاخيرة، وذكر بأن الحزب جاد بتسليح الرفاق تسليحا جيدا، بما في ذلك اسلحة مضادة للطائرات .
لكن كل تلك الوعود لم تتحقق الا بعد اكثر من سنة، في الوقت الذي كانت طائرات النظام خلاله تصول وتجول وتقذف حممها فوق رؤوسنا. ولم يصلنا من تلك الاسلحة سوى عدة رشاشات مقاومة الطائرات قديمة لا تصلح للعمل.
كان الرفاق المتواجدون في الداخل يأملون بعودة التعاون مع النظام. واستمرت جريدة الحزب بالصدور بأنتظام رغم تقليص عدد صفحاتها الى اربع ، وعلى صفحتها الاولى صورة رأس النظام ، واستمر الوزيران في بغداد واعضاء المجلسين التنفيذي والتشريعي في منطقة كردستان ، في مواقعهم شكليا. ونشرت طريق الشعب مقال لاحد اعضاء المكتب السياسي في الداخل، باقر ابراهيم، يؤكد فيها ضرورة تعميق سياسة التحالف الجبهوي.
وهكذا كان الحزب على مفترق طرق حاد ، او بين سياستين، احداهما تدعو لاعادة العلاقة مع البعث واخرى تتوجه بأندفاع نحو الكفاح المسلح .
ومع الأنقلاب الذي قام به صدام حسين واستلامه السلطة في تموز 1979، وقيامه بالتنكيل برفاقه في قيادة البعث والكادر المتقدم ، وخلق عداء مفتعل مع سوريا ، تبلور وضع جديد خيّب امال من كان يعتقد بأمكانية العودة والتواصل مع البعث. فأندفع الرفاق بشكل اكثر من السابق بالعمل بأمل اصدار قرار من قيادة الحزب بتبني خيار الكفاح المسلح بأعتباره الخيار المناسب ولربما الوحيد ضد عنف اجرامي لم يفلت منه احد حتى اعوان السلطة.
واخيرا تم إتخاذ ذلك القرار في اجتماع اللجنة المركزية في تموز 1979.
ولم يكن خافيا على الرفاق واصدقائهم ذلك الصراع الداخلي الحاد في الحزب، وخاصة بين قيادته في الخارج حول تبني اسلوب الكفاح المسلح، وبين الرفاق القياديين في الداخل الذين يعتبرون خيار الكفاح المسلح خيارا تدميريا لا يجوز تبنيه. وعلى النقيض من ذلك باشر الرفاق، قياديون كانوا ام اعضاءا عاديون، بالعمل المسلح وبأصرار كبير رغم المعارضة التي واجهتهم . وقد اثبتت السنوات التي مرت خطأ وخطورة ذلك التفكير لان الذي انقذ الحزب من التفتت والتشتت ووضعه في موقع متميز بين فصائل المعارضة العراقية هو الكفاح المسلح. لقد تمكن رفاق الحزب واصدقائه من رفع مكانة الحزب وسمعته عاليا بين جماهير كردستان وبين القوى السياسية في الداخل والخارج.
معركة الانصار الاولى في جوار قورنة (2)
استمر التحاق الرفاق بسبب استمرار حملة البعث القمعية وتفاقم شراستها ضد منظمات حزبنا ، فأزداد عددنا حتى تجاوز ال 180 رفيقا حينما وصل الرفيق ابو سليم .
حينها لم يكن لدينا سوى 14 قطعة سلاح، ثمانية منها فقط آلية ( كلاشنكوف ) استلمناها كهدية من جلال الطالباني ، اضافة لمدفع هاون 60 ملم واخر 81 ملم .
تقدم رفاق منطقة رانية بمقترح للمكتب العسكري لزيارة عوائلهم ولاثبات وجودهم كقوة عسكرية مسلحة امام السلطة وامام جماهير المنطقة. اعترضنا على المقترح لقلة الاسلحة، ولكن وبتدخل مباشر من الرفيق ابو سليم وتأييده للمقترح، اضطررنا الى الموافقة على تشكيل مفرزة من 11 رفيقا مزودين بسبعة بنادق ( اي بنصف ما لدينا من سلاح ).
توجهت المفرزة الى مجمع جوارقورنه بقيادة الرفيق علي حاجي (3) يوم 14 /4/1979. وقام الانصار بزيارة عوائلهم ، وقرروا الخروج من المجمع فجر يوم 15 /4.
كان الجيش قد علم بوجود المفرزة ، فنصب الكمائن في طريقها، وفعلا وقعت المفرزة في كماشة تلك الكمائن، واضطرت الى خوض قتال عنيف تمكن خلاله رفاقنا من قتل 12 عسكري بينهم ضابط، في حين سقط الرفيقان رسول شيخه علي وعلي. وتمكن بقية الرفاق من إختراق الطوق وعبور البحيرة الى الجهة الاخرى وتوجهوا بعدها نحو الجبل .
ورغم الخسارة الكبيرة، فقد كان للعملية صداها الواسع في المنطقة. واكدت على ان الحزب الشيوعي ما زال موجودا ويعمل لاسترداد هيبته وعافيته.
بعد ذلك بفترة قصيرة عاد الرفيق ابوسليم الى الخارج، بعد ان تم الانتهاء من فتح قاعدة جديدة لنا في منطقة حلبجه وارسل لقيادتها ملا علي .

(1) - ناوزنك ، منطقة حدودية بين ايران والعراق تقع وراء جبل ممند المشرف على قلعة دزه ، وهو جبل منيع . اتخذها جلال الطالباني مقرا لقيادته واستقر فيها رفاقنا في الايام الاولى .
(2) ـ جوار قورنة ـ قرية صغيرة تبعد عدة كيلومترات جنوب رانيا ، حولتها السلطة الى مجمع سكاني بعد انهيار الحركة المسلحة ، يسكنها العديد من انصارنا .
(3) ـ علي حاجي ، من اهالي جوار قورنة ، عضو في الحزب التحق مع اخيه محمود اوائل سنة 1979 ، شجاع نسب لقيادة سرية بتوين ، استشهد في اربيل سنة 1984 في معارك مع مسلحي اوك .

أوراق توما توماس ( 18 )

منذ بداية عام 1977، لم يرد حزبنا على الهجوم الايديولوجي الذي دشنه ميشيل عفلق بطرحه مقولة ( الحزب الحاكم )، وكان هذا الهجوم بمثابة اشارة للبعث للعودة الى نهجه السافر بالعداء للشيوعية .
وكانت تقديرات قيادة الحزب وخاصة المكتب السياسي خاطئة بخصوص اشارات الارتداد تلك، مما ادى الى كشف المزيد من المنظمات الحزبية ورفاق الحزب من خلال زجهم في نشاطات علنية دون التفكير جديا بأتخاذ تدابير واجراءات وقائية تمكن الحزب بالانتقال الى اشكال اخرى من التنظيم .
و كانت قد تشكلت في ذلك الوقت احزاب قومية كردية في الخارج، ونقلت نشاطها الى كردستان لمباشرة كفاحها المسلح ومنها القيادة المؤقتة في بهدينان والاتحاد الوطني الكردستاني في منطقة سوران، وانتشرت مفارزها عام 1977 لتشمل مناطق عديدة من كردستان وسط تعتيم اعلامي من قبل السلطة .
وبالرغم من تعقيدات الوضع والتوترات الواضحة في العلاقة مع البعث وبوادر ارتداده، لم تقدم قيادة الحزب على مد اليد لتلك القوى الكردية لاعادة العلاقة معها ، بل بقيت صلتنا بها مقطوعة تماما .
كانت تسيطر على قيادة الحزب حالة من الخوف والتطيّر من ذكر كلمة ( السلاح ) ، وحتى مجرد التفكير به كان يعد من المحرمات .
اجتماع اللجنة المركزية - آذار 1978
في 10 / آذار 1978 انعقد الاجتماع الاعتيادي الكامل للجنة المركزية في ظروف بالغة التعقيد، حيث تفاقمت فيها حملة البعث لتصفية منظمات الحزب في المدن والارياف والتضييق على نشاطاته وصحافته. وقد تناول الاجتماع بالنقد سياسة وممارسات سلطة البعث. وابرز ما تم انتقاده :
• سياسة التبعيث القسري للمجتمع والدولة ، وتعريب المنطقة الكردية وتشويه مضامين الحكم الذاتي في كردستان .
• اتباع سياسة معادية للدول العربية وبالخصوص سوريا واليمن الديمقراطية .
وكان هذا النقد العلني بداية انعطاف واضح في سياسة حزبنا نحو المعارضة رغم تأكيد اللجنة المركزية وحرصها على صيانة واستمرار التحالف .
وسرعان ما جاء رد البعث عنيفا جدا، من خلال مهاجمة التقرير الصادر عن الاجتماع على صفحات جريدة الراصد في 5 آيار 1978 وليتبعه اصدار احكام الاعدام في 18 آيار 1978 بحق 31 مواطنا من الشيوعيين واصدقائهم ..
وكان الثمن باهظا، الا ان موقف الحزب اتسم بالتردد من منطلق الحرص على التحالف ، فلم يبادر الى سحب ممثليه من الوزارة او من المجلسين التنفيذي والتشريعي في منطقة اقليم كردستان . وواصلت صحافة الحزب صدورها وكأن شيئا لم يكن !!.
ولم يقم الحزب بالرد على ما نشرته جريدة الراصد ، مما ادى الى اضعاف محتوى التقرير. وكان واضحا ان اعدام كوكبة من الشيوعيين واصدقائهم واستفحال حملة الارهاب الشرسة والاعتقالات الواسعة والتي شملت جميع منظمات الحزب وخاصة في اواخر 1978، قد دلت بشكل لا يقبل الدحض على تقارب النظام من الدوائر الامبريالية ومن الانظمة الرجعية وكشفت عن رغبته في ان يكون منفذا ضمن المخططات الامبريالية في المنطقة .
ومع ذلك لم يجر توضيح قرار " وقف التدهور " الذي اتخذته اللجنة المركزية في اجتماعها اواخر حزيران 1978. فقد فسره الكثيرون كخطوة تراجع امام البعث، وضرورة عدم استفزازه. وترافق هذا التفسير مع عدم اتخاذ اية اجراءات احترازية لازمه لتطبيق القرار حسب ما فسرته ورأته اللجنة المركزية في مفهوم " وقف التدهور "..
لم ينفذ اي من المقترحات المتعلقة بإتخاذ الاحتياطات الكفيلة بتحول الحزب الى العمل السري، ووضع خطة طوارئ لتجنيب الحزب الخسائر الفادحة. وكان الرأي الغالب في اللجنة المركزية يرجّح كفة " وقف التدهور " وحث الكادر القيادي على مغادرة البلاد. وهكذا تركت المنظمات لتتخبط وتترنح وهي تتلقى الضربات تلو الضربات .
ولم يكتف البعث بما قام به من اعتقالات واعدامات، بل حاول اركاع الحزب من خلال املاء شروط لا يمكن لاي حزب ثوري ان يقبلها، ومن ضمنها فقدانه لاستقلاليته الفكرية والسياسية كي يغدو مجرد يافطة .
فقد طلبت قيادة البعث اثناء اجتماع اللجنة العليا للجبهة من ممثل حزبنا، ان تجتمع اللجنة المركزية ثانية، لاصدار قرار بالتراجع عن ما جاء في تقرير اجتماع 10 آذار 1978.
واعلنت قيادة الحزب رفضها القاطع لذلك الطلب، ورفضت اي حوار مع البعث ما دامت حملة القمع مستمرة، وما لم تعتذر قيادة البعث عن الاعدامات وتعلن اعادة الاعتبار للشهداء رسميا.
بعد اجتماع اللجنة المركزية في حزيران 1978 سافرت الى جيكوسلوفاكيا. وكان المكتب السياسي قد قرر عودة رفاق الكادر الحزبي الى البلاد، دون ان يستند ذلك القرار الى اية مبررات مقنعة، في وقت كان رجال الامن قد اعتقلوا الرفاق كاظم حبيب وعادل حبه وفخري كريم وهم اعضاء في اللجنة المركزية دون توجيه اية تهمة اليهم .
والتزاما بقرار المكتب السياسي قررت العودة الى بغداد، الا ان الرفيقة نزيهة الدليمي اعترضت وحاولت ثنيي عن تنفيذ ذلك القرار، وطلبت الانتظار لمعرفة رأي الرفيق عزيز محمد سكرتير الحزب وكان حينها في موسكو. وقد قام الرفيق عزيز بأحالة الموضوع الى المكتب السياسي في بغداد، الذي قرر عودتي كي لا تشعر السلطة بأننا نقاطع التحالف الجبهوي !! وبهذا ايضا يمكننا ان نتصور كيف كان يتم تفسير قرار " وقف التدهور " لصالح التراجع امام البعث .
وصلت بغداد في 4 /7/ 1978 والتقيت رفاق المكتب السياسي في مقر اللجنة المركزية. وكان قرارهم هو عودتي الى الموصل والمباشرة بمهماتي. وفعلا وصلت الموصل وكانت كبقية المحافظات تشهد اوضاعا صعبة على الشيوعيين، دون ان تكون هناك اية احتياطات تتخذ لدرء المخاطر عنهم. فتمّلك اليأس عدد كبير منهم وباتوا كمن يستسلم للامر الواقع .
كان نظام البعث يتبع سياسة تحددت بعدم التحرش بقيادة الحزب، واستثناءها مؤقتا من حملة الاعتقالات للانفراد بالقواعد الحزبية، وبالتالي اجبار القيادة على التنازل بعد ان تكون قد فقدت قواعدها وجماهيرها ، وتحولت الى مجرد كيان مهلهل يستفاد منه البعث في علاقاته الدولية وخاصة البلدان الاشتراكية.
لقد واصلت مشاركتي في لجنة الجبهة في وقت كنا نرى ونسمع كيف يتساقط الرفاق يوميا. ثم توسعت حملة البعث الى اعتقالات بالجملة ضد منظماتنا الحزبية .
وكانت الحملة في محافظة نينوى قد دشنت بإعتقال اعضاء من اللجنة المحلية بشكل هاديء واطلاق سراحهم بعد ان يتم اسقاطهم. فقد اعتقل اول الامر الرفيق نوري بطرس واطلق سراحه وبعده اعتقل الرفيق زكي الصراف وكمال عبد الباقي وشمعون كاكو واسقطوا، ومن ثم باشروا بالمنظمات الحزبية اذ تم شن حملة على جميع المنظمات خلال 24 ساعة واخذت من المعتقلين تعهدات بعدم العمل . ولكن مجموعة غير قليلة من الرفاق تمكنت من الافلات من قبضة رجال الامن والاختفاء عن الانظار حتى التحاق اغلبهم بحركة الانصار ومنهم الرفاق حسين كنجي و دنخا شمعون ( كان حينها في بلغاريا ) و صبحي خضر و خديدة حسين و علي خليل و جوقي سعدون وخليل سمو ( التحق بالانصار بعد اسقاطه وسقط شهيدا اثناء رحلته الى كردستان في قرية سماقولي ) وعلاء احمد طه . وإلتحق عدد اخر من الرفاق من الاقضية والنواحي ومنهم : خليل ابراهيم وامجد محمد علي و هرمز بوكا و رحيم قودا و صباح كنجي و خيري درمــــان و دخيل سلو و خديدة طيبان و سعيد دوغاتي و غانم اوراها وغيرهم .
وبذلك انهارت تنظيمات نينوى بعد ان اعيد بنائها بنضال شاق خلال عشر سنوات .
بقيت في الموصل لغاية 15 /12/ 1978 . وفي ذلك اليوم كنت في لقاء مع وليد الاعظمي امين سر فرع الموصل ( اعدم بعد استلام صدام حسين لمقاليد السلطة ) وحضر اللقاء عضو الفرع ابراهيم حقي الملقب ( ابراهيم الجحش ).
وإحتدم النقاش بيننا حول اجراءاتهم ضد حزبنا. فقد كان الاعظمي يدافع عن موقف البعث متهما الشيوعيين بتحريض الجماهير ضد السلطة، وان الحزب الشيوعي لم يلتزم ببنود وشروط التحالف .. الخ. وفجأة تدخل ابراهيم الجحش وكان واقفا بجانب الاعظمي واضعا يده على الكرسي وقال : " ابو جوزيف نحن لن ندعكم ان تأخذوا منا هذا الكخسي ( ويقصد كرسي الحكم )، وسوف لن نتركه لكم ".
قلت له : " المسألة حاليا ليست موضوع الكرسي ، انما هي التزامكم بما جرى الاتفاق عليه، انها الان مسألة اخلالكم بالجبهة والحملة التي تشنوها ضد منظماتنا وضد رفاقنا ".
في نفس اليوم 15 /12 غادرت الموصل الى بغداد، حيث التقيت بأحد الرفاق في المكتب السياسي وكان يتهيأ لمغادرة العراق. طلبت منه تزويدنا بتعليمات الحزب وما هي الوجهة، وهل يمكن التفكير جديا بإيجاد قواعد عسكرية في كردستان. وكالعادة لم احظ من الرفيق بأي جواب واضح ومقنع، بل اكتفى بأخباري " بأن الرفيق ابو سرباز في كردستان ، واذا ترغب اذهب اليه وتفاهم معه ". ابلغته بوجود ( 80 ) رفيقا في ريف القوش في قرية ( كند ) قرب دوغات، بأنتظار قرار الحزب بالمباشرة في العمل. فأستغرب الرفيق استعدادهم للقتال دون ان يملكوا اية اسلحة . قلت له " ان ثورة كوبا ابتدأت بأثني عشر مقاتلا فقط ، كل شئ ممكن . ما نحتاج اليه حاليا هو القرار ."
اما بخصوص الرفيق ابو سرباز فقد كان مكتب الاقليم قد ارسله نهاية 1978 الى المنطقة الحدودية للالتقاء مع جلال الطالباني لبحث امكانية تواجد رفاقنا هناك، في حالة اضطرار الحزب لذلك. ولنفس الغرض تم تكليف الرفيق يوخنا توما سكرتير محلية دهوك لايجاد صله مماثلة مع مسؤولي القيادة المؤقتة في منطقة الحدود مع تركيا ، الا انه لم يوفق بالالتقاء بأحد رغم ان قرارا من القيادة المؤقتة كان قد صدر الى مسؤول المنطقة محمود يزيدي بمساعدة الشيوعيين اذا توجهوا الى المنطقة، الا ان محمود يزيدي كان قد استشهد قبل وصول رفيقنا اليه .
بقيت في بغداد مختفيا، واقتصرت صلتي بالرفيق جاسم الحلوائي، الذي اوعز لي بضرورة المحاولة لمغادرة العراق. وحينما ارسلت جوازي للحصول على تأشيرة مغادرة ، تبين ان منع السفر كان قد صدر يوم 20 /12/ 1978 .
لم اكن قادرا على استيعاب الفكرة الداعية الى ان بقاءنا سيعني للبعث اننا حريصون على استمرار التحالف ، خاصة ونحن مختفون وكل تحركاتنا ولقاءاتنا كانت سرية للغاية. وكان واضحا عدم وجود وجهة ثابتة بهذا الامر الهام جدا، بل كانت هناك اجتهادات وتقديرات متباينة ومختلفة ، لدى هذا الرفيق او ذاك .
في ذلك الوقت طلب الرفيق عبد الرزاق الصافي اللقاء بي وفعلا تم اللقاء في احد شوارع بغداد، حيث اكد على ضرورة التريث وعدم مغادرة العراق، لان مكرم الطالباني وماجد عبد الرضا سيغادران الى موسكو للالتقاء بقيادة الحزب لغرض دراسة مقترح نظام البعث بأعادة العلاقات ضمن التحالف الجبهوي .
وقد رفضت قيادة الحزب ذلك المقترح ما لم تنفذ الشروط التي قدمت مسبقا، وبدون ذلك فإن العودة الى التحالف مستحيلة .
في لقاء مع الرفيق جاسم الحلوائي يوم 8 /3/ 1979 ، ابلغني الرفيق بضرورة السفر الى اربيل والاتصال بأبو حكمت لتهيئة الانتقال الى الجبال ، وذكر بأن الرفاق المتواجدين في الداخل يطالبون بأيجاد قاعدة لايوائهم في كردستان ، وكذلك من اجل الضغط على السلطة لتتراجع عن سياستها. وعلى الرغم من توضيحات الرفيق ابو شروق، الا ان القرار لم يكن واضحا ، هل في النية تأسيس قواعد لايواء الرفاق والكادر الحزبي ، ام هو توجه جاد لتشكيل فصائل مسلحة؟
تركت بغداد في منتصف الليل في 12 /3/ 1979، لاصل صباحا الى مقر الاقليم وكان حينها محاطا برجال الامن. والتقيت هناك مع مجموعة رفاق من لجنة نينوى كانوا قد وصلوا قبلي في طريقهم الى الرفيق كاويس رشيد الذي كان قد شكل مفرزة مسلحة تتجول في ريف كوي سنجق.
بقيت في اربيل حتى 19 /3 حيث توجهت بعدها مع الرفيق ابو ئاسوس، ورافقنا الرفيق خيري القاضي ( ابو زكي ) بأتجاه ( سنكسرد ) ومنها الى قرية بيدلان الايرانية لنصل الى مقر جلال الطالباني ، وكانت هي المرة الاولى التي التقيه. وبعد ترحيب حار ابلغنا جلال الطالباني بأن الرفيق ابو سرباز يتواجد في مقر قريب . \


أوراق توما توماس ( 17 )

 
اتفاقية 6 آذار 1975 بين صدام و الشاه
شنت السلطة اكبر حملة عسكرية على منطقة كردستان ، مستخدمة جميع انواع الاسلحة بما فيها القنابل الفسفورية والنابالم ، في مسعى لاحراز نصر سريع على الحركة المسلحة الكردية. ولكنها كغيرها من الحملات العسكرية منيت هذه الحملة ايضا بالاندحار والانكسار واخذت معنويات الجيش العراقي بالهبوط بتسارع. وتأكد للسلطة عدم امكانية الجيش على انهاء هذه الحركة، وقد اعترف صدام حسين بنفسه عشية توقيعه لاتفاقية 1975 بأن ما تبقى للسلطة من صواريخ جو - ارض لا يزيد عن ثلاثة صواريخ فقط. ومن وراء الكواليس، دبرت المؤامرة ضد الحركة الكردية بعد تنازل سلطة البعث عن مجموعة حقوق في شط العرب لايران لقاء سحب تأييدها ودعمها للبارزاني ، بالاضافة لبنود اخرى سرية في الاتفاقية .
في كانون الثاني 1975 وفي اجتماع موسع للجنة الجبهة في محافظة نينوى القى صدام كلمته المعروفة ب " خندق ام خندقان "، اعلن بأن نهاية الحركة الكردية باتت قريبة جدا وان الملا مصطفى سيرفع " چفية بيضا "، اي الراية البيضاء . لم نصدق في الحقيقة هذا الكلام واستبعدنا حدوثه واعتبرناه كغيره من الادعاءات، فالوقائع الميدانية كانت تسير بشكل اخر تماما. ففي كل الاشتباكات، كان يتضح صمود الپيشمرگة وتأييد الشعب الكردي للحركة المسلحة اضافة الى حصول الحركة على اسلحة جديدة ومتطورة كصواريخ هوك المضادة للطائرات. وفي الجانب الاخر توالت انكسارات الجيش العراقي من مواجهة الى اخرى. ولم نكن نتوقع موافقة الشاه السريعة على التخلي عن الحركة وقيادتها، وبمباركة وتشجيع من الولايات المتحدة الامريكية .
منذ البداية كان واضحاً من ان دعم الولايات المتحدة وايران للحركة الكردية لم يأت من منطلق المساعدة النزيهة. فالدولتان كانتا على استعداد تام لسحب هذا الدعم في حالة تعارضه مع مصالحهما وبسط نفوذهما. و لم تكتف ايران بالإمتيازات والنفوذ في شط العرب، بل إنها حصلت على ضمانات اكيدة من صدام حسين بالتعاون والتنسيق المشترك مستقبلا لتنفيذ المخططات الامبريالية في المنطقة، وان يصبح الحزب الشيوعي العراقي هدفا قادما لتصفيته بعد الانتهاء من الحركة الكردية .
واضافة لكل ذلك فأن ايران لم تكن لتسمح بأي نصر حاسم للحركة الكردية، لان ذلك سيوقض بلا ريب المزيد من المشاعر القومية لدى اكراد ايران. وعلى هذه الاسس اعلنت الاتفاقية في 6 /3/ 1975 برعاية من الرئيس الجزائري هواري بومدين .
وتلى ذلك مباشرة بوادر الانهيار الشامل للحركة الكردية المسلحة. فقد سيطر اليأس على الپيشمرگة، ولم يمض وقت طويل حتى اعلن البارزاني فشل وانهيار الحركة المسلحة الكردية ، على الرغم من وجود اراء جريئة لدى العديد من المقاتلين بالتحول الى مفارز صغيرة تتحرك في المناطق الحدودية مع تركيا وتتبّع اسلوب حرب العصابات ( اضرب واهرب ). لم نصدق الاخبار التي بدأت تتوالى عن اندحارات واستسلام جماعي للپيشمرگة. إنني اتذكر في احدى سفراتي الى اربيل قد شاهدت مجاميع غفيرة في معسكر فيلق اربيل تنتظر مصيرها المجهول .
عقد مكتب الاقليم اجتماعه الاسبوعي الاعتيادي، وكان الجميع بوضع نفسي سئ جدا. اذ عادت نقاشاتنا تتناول الاحتمالات والتوقعات التي كنا نحذر منها. وتأكدت شكوكنا بشكل اكثر من السابق ، من ان الانقضاض على حزبنا سيتبع المأساة التي كنا نراقب فصولها .
في هذه الفترة توضحت اكثر نوايا السلطة، وبدأت تظهر مفردات اصر البعث على استخدامها كمفردة "الحزب القائد "، وصدر قرار من "مجلس قيادة الثورة" بتحريم انظمام منتسبي الحركة المسلحة الكردية الذين سلموا انفسهم الى اي حزب سياسي عدا التنظيم الذي اطلق عليه "النشاط الوطني".
في احد اجتماعات لجنة الجبهة في نينوى ادعّى حبرائيل اسحق بأننا خرقنا القرار في محافظة دهوك ، وكان يقصد الرفيق احمد بيرموس .
قلت له : " انت مخطئ ، الرفيق احمد بيرموس عضو في الحزب الشيوعي العراقي منذ وقت طويل ، وحينما بقي مع الحركة الكردية كان بعلمنا ، ولم يعارض حدك ذلك لحاجتهم اليه بأعتباره مدرب لمدافع الهاون ، وبعد عودته الى بلدته ، فمن المنطقي ان يعود الى حزبه ".
استفزه كلامي فأجاب بحدة : " ان حزبنا القائد هو المسؤول الوحيد عن هؤلاء سواء كانوا احياءا ام اموات " .
قلت له : " انكم مخطئون بسياستكم هذه، حيث ستجبرون الاهالي على البقاء في الخارج، وحتى لو بقي خمسون مواطنا فلابد ان يأتي يوم ويقفون ضدكم ، انكم تجبرونهم للقيام مجددا بحركات مسلحة .
فرد بحدة اشد : " اذا كان احدا يفكر بأحياء التمرد فليجرب حظه ".
قلت : " لا حاجة لاية تأويلات او تهديدات … المستقبل كفيل بالكشف عن ذلك ، واذا عشنا سنرى .. "
وبعد انهيار الحركة المسلحة كانت مشاهد نقل جثث الضحايا، الذين تعدمهم السلطة في سجن الموصل اسبوعيا، تزيد من انكسار الشعب الكردي. في ايار 1975 كنت عائدا من اربيل بعد اجتماع لمكتب الاقليم صادفت موكبا طويلا من سيارات التاكسي تحمل كل منها تابوتا او تابوتين، متوجهة الى اربيل وهي تنقل الضحايا المعدومين فجرا في الموصل. كانت نتف القطن الملطخ بالدم تتطاير في كل الاتجاهات ، وربما وضعت عمدا لتتطاير وتترك في النفوس مزيدا من المرارة والالم والرعب ايضا .
وبسبب تلك التطورات، سادت منظمات الحزب في منطقة كردستان اراء وتحليلات مختلفة. فعلى الرغم من الخلافات بيننا وبين قيادة الحركة الكردية، الا انها كانت ( الحركة الكردية ) تعتبر داعمة اساسية للديمقراطية في العراق ، وتشكل أملا للشعب الكردي في التحرر والانعتاق ، وقوة لا يستهان بها للحد من سطوة البعث وجرائمه .
ولم يكن من الغريب ان تتفاوت التحليلات والاستنتاجات لدى اغلبية الرفاق في كردستان وتختلف عن تحليلات رفاقنا في مناطق الوسط والجنوب. فالرفاق الذين ناضلوا لعشرات السنين كأنصار شيوعيين في صفوف الحركة الكردية كانت لهم تصوراتهم الخاصة حول الوضع القائم انذاك وآفاقه المستقبلية. و لذلك كان من الطبيعي ان تتبنى منظمة اقليم كردستان مواقف سياسية متباينة عن بقية منظمات الحزب. وسادت القناعة لدى اغلبية الرفاق في لجنة الاقليم بأن البعث سيبدأ بضرب الشيوعيين بشكل منظم حال انتهاءه من جمع السلاح منهم .
ومن اجل التوصل الى استنتاج ورأي موحد حول الموقف المفروض ان يتخذه الحزب، عقدت لجنة الاقليم وبكامل اعضائها (27) رفيقا وبحضور الرفيق زكي خيري عضو المكتب السياسي إجتماعاً خصصت الفقرة الاساسية منه لدراسة الوضع الناشئ في كردستان وتحديد موقفنا منه. واتفقت اللجنة على ضرورة اتخاذ الاحتياطات اللازمة لدرء المخاطر ووضع خطة طوارئ لمواجهة احتمال توجيه ضربة للحزب، ولم يعارض هذا الموقف سوى رفيق واحد هو ابو حكمت.
وعلى اثر دراسة المكتب السياسي وسكرتارية اللجنة المركزية لمحضر ذلك الاجتماع، تقرر تنسيب الرفيق ابو سرباز الى المكتب الفلاحي في بغداد ونسب الرفيق كريم احمد عضو المكتب السياسي للاشراف الدائم على لجنة الاقليم من أجل الحد من صلاحيات سكرتير لجنة الاقليم ومكتبها .
في احدى المرات، صرح احد قادة البعث بأن للحزب الشيوعي العراقي سياستان، سياسة بالضد من الجبهة تلتزم بها لجنة اقليم كردستان، وسياسة مع التعاون والتحالف تلتزم بها المنظمات الحزبية في المناطق الاخرى. وفي الحقيقة فإن ارأء لجنة الاقليم لم تكن الا انعكاسا عن مشاعر جماهير كردستان وقواعد الحزب فيها، وهي حصيلة لتلك الاراء المطروحة في الهيئات الحزبية. ولو كانت قيادة الحزب قد اصغت للبعض منها على اقل تقدير، لكانت خسائرنا اقل بكثير مما فقدناه .
كان الدور السياسي لحدك قد انتهى بأنهيار الحركة المسلحة ولجوء كوادرها الى ايران. فسارع البعث بالاعلان عن تشكيلات سياسية مسخة من العناصر التي ابدت الاستعداد للعمل تحت اشراف البعث مباشرة، ثم اضيفت هذه التشكيلات الى الجبهة في محافظات كردستان وبغداد لوجود مراكزها القيادية هناك، وهي :
1. الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة هاشم عقراوي (1) والعميد عزيز عقراوي (2) والسيد صالح الحيدري .
2. الحزب الثوري الكردستاني بقيادة عبد الستار طاهر شريف .
3. جماعة عبد الله اسماعيل ( ملا ماطور) .
المؤتمر الثالث للحزب 1976 ـ بداية النهاية مع البعث
عقد المؤتمر الثالث للحزب في ايار 1976 في خيمة كبيرة في مقر اللجنة المركزية ببغداد . وحضرالمؤتمر 320 مندوبا .
كان من المعتقد ( وحسب ما جرى التأكيد عليه ) من ان الاجراءات المتخذة لعقد المؤتمر سرية للغاية لدرجة ان البعث لم يكن مدعوا ولا يعرف محل انعقاده . ولكن اثناء الجلسة الاولى وفي حوالي الساعة العاشرة صباحا وصلت برقية القيادة القطرية تهنئ الحزب بعقد المؤتمر.
أما التقرير السياسي المقدم الى المؤتمر الثالث فقد خلف لدى كوادر واعضاء الحزب تصورا ضبابيا في تحليله للوضع القائم. فهو، اي التقرير، يتحدث عن جبهة تتكافئ خلالها حقوق اطرافها او على الاقل تضمن استقلالية تلك الاطراف سياسيا وتنظيميا وفكريا وتكون مهمتها الاساسية بناء الوطن بشكل مشترك. وفي الواقع يشير برنامج الجبهة الى تحالف لا يضمن حقا الا للبعث بأعتباره قائدا ومقررا لوجهة التطور، وما على الاطياف الاخرى الا القبول بذلك، لتتحول الى مجرد يافطات تابعة للبعث. وبدورنا ركزنا في نضالنا على جانب واحد من ذلك التحالف وهو الدفاع عن التجربة والتأكيد لرفاقنا ولابناء الشعب وللاصدقاء في العالم بأننا ماضون في الطريق الصحيح وان الافق واضح، وما علينا الا الانغمار في مهمة الدعاية والتبشير للجبهة. وفي حقيقة الامر كان نضالنا يصب في صالح البعث وسلطته وممارساته. وهكذا اهملنا الجانب الاهم في اي تحالف وهو حقنا في نقد اية توجهات او ممارسات خاطئة او خطرة تبدر من الذين نتحالف معهم حتى وان كانوا السلطة نفسها. ان اي خلل في حقنا هذا سيخل بحالة التوازن المفترض توفرها بين اطراف التحالف ويحوله بالتالي الى واجهة للدفاع عن السلطة وتبرير ممارساتها .
لقد كانت تحليلات الوضع السياسي الواردة في التقرير احدى اسباب وقوع الكادر الحزبي في المتاهات، اذ لم تأخذ تلك التحليلات احتمالات ارتداد السلطة بالجدية المطلوبة.
وبالاضافة الى تخلف التقرير عن ملاحظة بوادر التغيير في الطبيعة الطبقية للسلطة، فإنه بالعكس من ذلك راح يؤكد على امكانية تطوير العلاقة مع حزب البعث. فقد ورد في التقرير ما يلي:" ان الشيوعيين العراقيين لا ينظرون الى امكانيات تطور علاقتهم مع حزب البعث العربي الاشتراكي بأعتبارها محصورة بحدود العلاقة التحالفية الحالية ومهمة انجاز الميثاق الوطني على عظم هذه المهمة، بل انهم يؤمنون بأن هذه العلاقة يمكن ان تتطور وتتعمق وتصل بالبعثيين والشيوعيين ، بحزبينا المتحالفين في الجبهة الوطنية والقومية التقدمية سوية الى بناء الاشتراكية !!".
وفي مكان اخر يشير التقرير الى طبيعة الجبهة قائلاً:" كونها جبهة بناء وتتبنى برنامجا ثوريا يغطي بالاساس اهداف مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية وتملك افقا استراتيجيا لمواصلة التحالف حتى بناء الاشتراكية !!".
وكانت هذه المقولات معزولة تماما عن الظرف التاريخي الملموس، وغير دقيقة في تحديد طبيعة البعث الطبقية والايديولوجية وممارساته السياسية، وساعدت على خلق المزيد من الاوهام .
ولم يعد البعث يهتم بالجبهة، ولم تدرس اللجنة العليا ولجان المحافظات اية قضايا سياسية تهم البلد، وانما اصبحت اجتماعاتها مكرسة لدعم قرارات السلطة الارتجالية، واصبحت واجهة للبعث في المحافل الدولية خاصة في البلدان الاشتراكية. وحاول البعث زج الجبهة في صراعات مفتعلة مع الدول المجاورة وقواها السياسية، كما جرى اثناء الخلاف مع سوريا على تقسيم مياه الفرات. وقد امتنع رفاقنا من الانجرار الى تلك المواقف ورفضوا القاء الكلمات او الخطب او التصريحات ، وكانت اغلب الكلمات في فعاليات اقيمت لهذا الشأن تعد مسبقا وبأشراف البعث ضد سوريا وضد الرئيس حافظ الاسد. وواصل الحزب علاقاته مع الحزب الشيوعي الاسرائيلي ومع حركة فتح ومع حزب البعث في سوريا ومع الحزب الشيوعي الاسباني وجنوب افريقيا رغم معارضة البعث لهذه العلاقات.
وتحولت اجتماعات لجان الجبهة وبلاغاتها الى نكت يتداولها الناس،اذ كانت تصدر دائما بصيغة واحدة ( اجتمعت لجنة الجبهة في محافظة …. لدراسة سبل تعميق العمل الجبهوي …. الخ ). ولم تعد تتضمن جداول عمل تلك الاجتماعات سوى شكاوى رفاقنا من اعتداءات الامن ومحاولات اسقاط رفاق الحزب، الى جانب التهم الباطلة التي حاول البعث الصاقها برفاقنا لخلق اجواء من الرعب للحد من نشاطنا وسط الجماهير .
وبتشديد البعث محاولاته القديمة لمحاربة المنظمات الديمقراطية لتحجيم دورها ومن ثم تصفيتها من خلال الملاحقات وشتى اساليب الضغط وبالاغراءات وشراء الذمم ، تزعزعت الثقة اكثر فأكثر بين الحزب وبين البعث. وبدأت اجهزة الامن بتنظيم قوائم خاصة بمعلومات حول الشيوعيين في مناطق سكنهم او محلات عملهم او دراستهم. واصبحت الجبهة وسيلة مساعدة لاجهزة الامن للمضي بنشاطاتهم المخابراتية للوصول الى المزيد من المعلومات .

(1) هاشم عقراوي من اهالي عقرة مرشح في اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردستاني ، عين بعد بيان اذار محافظا لدهوك ، وكانت له خلافات مع قيادة الثورة ، بعد استئناف القتال سنة 1974 انفصل عن الحزب وشكل بأشراف من البعث حزب جديد . توفي في بغداد .
(2) عزيز رشيد عقراوي ، من اصدقاء الدراسة في متوسطة المثنى في الموصل ، التحق بالكلية العسكرية وتخرج ملازم في الجيش ، التحق بالحركة المسلحة الكردية سنة 1962 وكان حينها برتبة مقدم في المدفعية ، واصبح مسؤولا لقاطع سفين ، ، بعد استئناف القتال سنة 1974 ، التحق بالبعث وعين وزير دولة . هرب الى بيروت تاركا وظيفته كوزير. \

أوراق توما توماس ( 16 )

تطور منظمات محلية نينوى ودهوك

كان لاتفاقية اذار عام 1970 تأثيرا ايجابيا كبيرا في تغيير المزاج الجماهيري، حيث أندفع الالاف من المواطنين يبحثون عن الحزب على الرغم من ان السلطة لم تكن تسمح لحزبنا بممارسة أي نشاط علني وسط الجماهير، بل وانها باشرت مجددا بشن حملة الملاحقات والاعتقالات بحق رفاق الحزب واصدقاءه، الا ان الحملة خفت قليلا بعد تأزم العلاقة بين السلطة والحركة الكردية اثرالمحاولة الفاشلة لاغتيال البارزاني .

كانت المنظمة الحزبية في نينوى تتكون من ( 11 ) لجنة قضاء، عدا المنظمات المهنية والديمقراطية الاخرى، لذا كان من الضروري التفكير بتوسيع لجنتها القيادية ( المحلية ). فتقرر تقديم الرفيقين دنخا البازي وعلي خليل الى عضويتها، كما وصل الى مقرنا في بيرموس قادمين من الاتحاد السوفيتي الرفاق عمر الياس وعبد الرحمن القصاب وعادل سفر وتقرر ضمهم الى اللجنة المحلية بأعتبارهم من ابناء مدينة الموصل .

في عام 1972 تم سحب الرفيق عادل سليم من محلية نينوى، فأصبحت المحلية تحت اشراف مكتب الاقليم مباشرة. ونسب الرفيق يوسف سليمان مشرفا مسؤولا عنها، وبعد ان تم تثبيت عضويتي في لجنة الاقليم ، وفي اجتماع عقدته المحلية انتخبتُ سكرتيرا للمحلية. وتم تعزيز اللجنة المحلية برفاق جدد هم حسين كنجي وكمال اسماعيل وسالم اسطيفان وعلي اصفر جرجيس ونوري بطرس نعمان .

وانطلق الرفاق بنشاط وحماس لإقامة الصلات مع الجماهير ورصد مشاكلها ومعاناتها وتبني مطاليبها. وأخذت جريدة الحزب طريقها للتوزيع بشكل جيد. وتمكنا ايضا من فتح مقررئيسي للمحلية في مدينة الموصل، وجرى اهتمام خاص بالشبيبة والطلبة، فشكلت العديد من اللجان لمتابعة مختلف النشاطات. ولعبت الرفيقات من الطالبات في جامعة الموصل دورا متميزا وفعالا في تنظيم الاحتفالات في مختلف المناسبات، واتذكر منهن الرفيقات سوسن وهناء ورجاء ونجلة وهدى و اخريات لا تسعفني الذاكرة بإستذكار أسمائهن .

وقد توسعت منظمات حزبنا في نينوى ودهوك لتشمل اغلب الاقضية والنواحي، الا ان الوضع الشاذ الذي ساد العلاقة بين حزبنا والحزب الديمقراطي الكردستاني اثر سلبا على المنظمات الحزبية في بعض المناطق التي كانت تحت سيطرة الحزب الديمقراطي .
ان تطور وضع الحزب التنظيمي بشكل عام برر الحاجة لاتباع الاساليب الديمقراطية في اختيار اعضاء اللجان، وصدرت توجيهات بهذا الصدد الى اللجان المحلية لعقد كونفرنسات يدرس فيها وضع المنظمة المحليــــة ( التنظيمي ، والفكري والديمقراطي والجماهيري .. الخ )، وتنتخب اعضاء اللجان. وفي كانون الاول سنة 1974 عقدت اللجنة المحلية كونفرنسها الثالث في مقرها في شارع النبي جرجيس في الموصل، وحضره (39) رفيقا تم انتخابهم في كونفرنسات الاقضية. وقد ناقش المجتمعون التقارير المعدة لذلك وتم انتخاب اللجنة المحلية، والتي أنتخبت بدورها سكرتيرها واعضاء مكتبها.
حضر ذلك الكونفرنس كل من الرفاق حسين كنجي ، يوخنا توما ، دنخا البازي ، كمال اسماعيل ، سالم يوسف ، نوري بطرس ،امين ذيبان ، عبد الرحمن بامرني ، عبد الرحمن شعيان ، علي اصفـــــــر، خديدة حسين ، علي خليل، صديق بامرني، شمعون كاكو، غازي نجيــب ، جوقي سعدون، هاشم العناز، محمد زكي الصراف، سريوس اسحـــق ، صبحي خضر، خليل سمو، خليل خضر، جوقي عيدو، نجم متي، حكمت عبوش، محمود ملحم ،جمعة خضر، شعيب محمد ، اسحق متي، مؤيد حامد ، محمد عمر، محمد زكي نشأت ، نوفل سليمان ، هرمز بوكا، شيخ اسماعيل ، علاء احمد طه، خيري مسطو ، ماري داود وتوما توماس .

واشرف على الكونفرنس الرفيق عمر علي الشيخ عضو المكتب السياسي ممثلا عن اللجنة المركزية والرفيق سليمان يوسف ممثلا عن لجنة اقليم كردستان .

وبعد فترة، جرى فصل دهوك عن الموصل من خلال تشكيل وحدة ادارية مستقلة بأسم محافظة دهوك، وبدورنا درسنا الموضوع في لجنة الاقليم وجرت الموافقة على تشكيل لجنة محلية في دهوك ترتبط مباشرة بلجنة الاقليم. وتقرر ان اكون مشرفا دائميا عليها لفترة تحدد بمدى امكانية لجنتها من قيادتها .
وتشكلت اللجنة المحلية في دهوك من الرفاق يوخنا توما باكوز ـ سكرتير للمحلية وامين ذيبان وعبد الرحمن شعبان وعبد الرحمن بامرني وصديق بامرني وغازي محمد نجيب وهاشم عناز .

اما محلية الموصل فكانت تتكون من الرفاق :
توما توماس وسالم يوسف ودنخا شمعون وحسين كنجي وكمال عبد الباقي ونوري بطرس وعلي اصفر و
خديدة حسين وعلي خليل وشمعون كاكو و جوقي سعدون.

وتوسعت التنظيمات في محلية نينوى وخاصة في الاقضية والنواحي مما تطلب فصل بعض الاقضية المزدوجة وتشكيل لجان لكل منها. فقد تم فصل قضاء الحمدانية عن ناحية بعشيقة، اذ شكلت في الحمدانية لجنة يقودها الرفيق شمعون كاكو وفي بعشيقة، وفي بحزاني لجنة يقودها الرفيق جوقي برو. وتم فصل تنظيم الطلبة عن مدينة الموصل، وشكلت لجنة لقيادة الكليات والثانويات كلف بقيادتها الرفيق نوري بطرس، كما شكلت لجنة لقضاء شرقاط قادها الرفيق دنخا البازي .
وفي ذات الوقت تطور العمل الديمقراطي والمهني، مما تطلب تشكيل لجان خاصة لقيادة تلك المجالات. وبرزت الحاجة لتشخيص رفاق لقيادة تلك اللجان وسد الفراغ الذي حصل نتيجة سفر مجموعة من الرفاق للدراسة الحزبية .
فقد رشح الرفيق صبحي خضر لقيادة قضاء الشيخان، والرفيق شعيب محمد سعيد لقضاء تللعفر، والرفيق مؤيد حامد لتعزيز اللجنة العمالية، والرفيق علاء احمد طه لقيادة اللجنة الطلابية .

وبشكل عام يمكن القول ان فترة الجبهة كانت من افضل الفترات التي وجدت الجماهير فيها حزبنا الشيوعي العراقي امامها فاعلا ومؤثرا في الشارع. كما يمكن ايضا اعتبار ما حققته اغلب المنظمات الحزبية من توسع وتطور مقياسا اخرا لما كان يمكن ان يكون الوضع عليه في حالة بقاء تحالفنا السابق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني .

لم يكن انظمام حزبنا للجبهة ليعني الوقوف ضد الحركة الكردية المسلحة وضد الحزب الديمقراطي الكردستاني على الاطلاق. فالحزب انطلق دائما في كل مواقفه من منطلق الدفاع عن حقوق الشعب الكردي وحقوق الاقليات القومية الاخرى. وكان الحزب يرتبط خلال سنوات طويلة بعلاقات متميزة مع قيادة الحركة الكردية، دون ان يتخلى عن حقه المشروع في اتخاذ قراراته وفق قناعاته وبما يخدم مصلحة الوطن والحزب، تماما كما كان الديمقراطي الكردستاني يتخذ قرارات ويعقد هدنات عديدة خلال فترات النضال المسلح منذ عام 1961 وحتى 1973. ولم يعترض حزبنا يوما ما على تلك القرارات رغم العديد من ملاحظاتنا عليها. ولم يتخذ الحزب الشيوعي اي موقف معاد للحركة الكردية نتيجة لاي قرار اتخذته قيادة الحركة. ومن هذا المنطلق لا يحق للديمقراطي الكردستاني أن يقرر ويفرض علينا التحالف او المعارضة وتوقيتهما.

واستمر موقف الحزب مرنا داعيا قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني الى عدم استئناف القتال وعدم انهاء الهدنة، والعمل من أجل المشاركة في الجبهة لتشكيل محور قوى يقف ضد نوايا ومناورات حزب البعث، محور يتشكل من حزبنا والقوى الديمقراطية الاخرى. وبدلا من التفاهم سلميا معنا وقبل انتهاء الهدنة، شن الحزب الديمقراطي الكردستاني وقيادة الحركة المسلحة هجمات على منظماتنا ورفاقنا في مناطق نفوذهم واعتقلوا من وقع بيدهم . و خسرنا منظمات بكاملها ولم ينج منها الا الرفاق الذين تركوا تلك المناطق والتجأوا الينا .

ومع ذلك واقولها للتاريخ، بأننا لو خيرنا بين الحركة المسلحة الكردية وبين البعث لكنا نختار وبوعي صف الحركة الكردية والحزب الديمقراطي الكردستاني من منطلق حل المسألة الكردية سلميا وفق قناعاتنا التي تكونت ( من خلال سنوات غير قليلة من النضال المسلح ) بأن الخيار العسكري غير قادر على حلها، وان من تعتمد عليهم الحركة المسلحة ليسوا ممن يعّول عليهم.
لقد حذر حزبنا من ان توّرط قيادة الحركة المسلحة في علاقات مع شاه ايران، سيفرض عليها الابتعاد عن حلفائها الثابتين كالحزب الشيوعي العراقي والفصائل الديمقراطية والجماهير الكادحة، ومعاداتها لهؤلاء الحلفاء، وسوف يعرّض مصالح الشعب الكردي الى عواقب مأساوية. وقد اكد التاريخ صحة ما ذهبت اليه استنتاجات الحزب.

ومنذ انهيار الحركة الكردية المسلحة، بدأت بوادر التراجع عند البعث اذ باشر بوضع الكثير من الشروط والتضييق على اغلب نشاطاتنا وخاصة في مجال العمل الديمقراطي. وقد وافق الرفاق في المكتب السياسي على طلب البعث بتجميد اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية، مما أثار استياءاً كبيرا لدى الطلاب، واستقال العديد منهم احتجاجا على هذا القرار .

ابدت اللجنة المحلية في نينوى اعتراضها على قرار المكتب السياسي ، وثبت ذلك في محضرها الى مكتب الاقليم .
إثر ذلك ازداد نشاط رجال الامن ضد رفاقنا بأتجاه خلق الذرائع للايقاع بهم. ففي القوش اعتقل الرفيق سالم يوسف عضو مكتب المحلية ومسؤول القوش وارسل الى سجن الموقف في الموصل بحجة تهجمه على البعث، ولم يطلق سراحه الا بعد تدخلي شخصيا لدى امين سر الفرع والمحافظ .
واثار البعث قضية مقتل احد موظفي الصحة ( وهو بعثي ) في قرية سريجكة، حيث اتهم بها رفاقنا وتم اعتقال الرفيق علي خليل عضو محلية و تمكن الرفيق جوقي سعدون ( عضو المحلية ) من الافلات من ايديهم والتجأ الى اربيل واختفى هناك، وبعدها سلم الرفيق جوقي نفسه واحيل هو كذلك الى المحكمة واخلي سبيله .

وبعد المؤتمر الثالث لحزبنا في ايار1976، قررحزب البعث سحب الاسلحة التي زوّد بها انصارنا قبل انهيار الحركة الكردية المسلحة وحل السرايا التي شكلت في حينها. واثيرت قضايا تافهة ضد رفاقنا مثل فقدان بندقيتين اثناء المعارك لم تسجل في المحضر واعتبار ذلك قضية قانونية ضد مسؤول الانصار تستوجب محاكمته .
كما اثيرت ايضا قضية قديمة وهي الصدام بين رفاقنا والشرطة وكان قد تم تسويتها سنة 1974، ولكن يبدو ان الظروف ساعدت على اثارتها ثانية. فصدر امر بالقاء القبض على الرفاق دنخا شمعون وصبحي خضر وجوقي برو اعضاء المحلية مما اضطرنا لسحبهم الى المقر، اما الرفيق دنخا الذي كان يدرس في بلغاريا فطلبنا منه عدم العودة. قام مكتب المحلية بإجراء تنقلات بين مسؤولي الاقضية بسبب الوضع الجديد. ونظراً للجوء الرفيق جوقي برو الى المقر، فقد تم ترشيح الرفيق شمدين خدر لقيادة قضاء الشيخان بدلا من صبحي خضر. ونقل الرفيق حسين من سنجار لقيادة تلكيف واستلم الرفيق علي اصفر جرجيس قضاء تلعفر، كما نسب الرفيق زكي نشأت لقيادة مدينة الموصل بدلا من الرفيق كمال عبد الباقي المرسل للدراسة في بلغاريا.

ومنذ اوائل عام 1977 باشرت اجهزة الامن القمعية بضرب اضعف حلقة من منظماتنا، وهي منظمة سنجار، مستخدمة اساليبها الخسيسة والمعروفة عنها في التهديد بالاعتداء الجنسي ضد من لا يتجاوب معها للتوقيع على صك البراءة من العمل السياسي تحت طائلة المادة رقم (200) السيئة الصيت والتي تقضي بإعدام من يعاود النشاط السياسي .
في تلك الظروف الحرجة قدم الرفيق مؤيد حامد عضو المحلية استقالته من الحزب، وقدم معلومات مهمة للامن. وكرد فعل على ذلك ومن أجل تعزيز اللجنة المحلية وخاصة اللجنة العمالية، تقرر ترشيح الرفيق عبد الرزاق عبد الرحمن ( ابو نجم ) للمحلية ونسب الى اللجنة العمالية وكذلك رشح الرفيق صالح مصطفى ونسب لنفس اللجنة .
إنتقلت منظمة نينوى في اواخر عام 1977 الى سياسة الدفاع عن منظماتها ازاء هجوم الامن ومحاولاته لاسقاط الشيوعيين. وقد اشارت التقارير السنوية في آواخر السنة الى تراجع واضح في عضوية المنظمة، وانعدام الكسب حيث ان المنظمة كانت تعاني من ملاحقة اجهزة الامن للرفاق واسقاطهم مستعملة شتى الطرق وكان من الصعب الصمود امام الارهاب واعتداءات السلطة واصبحت المنظمة تشرف على حافة الانهيار .

اوراق توما توماس (15)

الجبهة وموقف الحزب الديمقراطي الكردستاني
في اجتماعها يوم 6 /4/ 1973 (1) ، قررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي وبفارق صوت واحد، دخول حزبنا للجبهة مع البعث. وتم إبلاغ البعث بذلك، الا انه لم يبد حماساً كبيرا للتوقيع. وبدوره لم يقدم حزبنا على مناقشة جوانب هامة في الميثاق وفي مقدمتها قيادة البعث للجبهة. وعلى اثر احتدام الصراع بين قادة البعث وتحوله الى صراع دموي خلال حركة ناظم كزار في 30 /6/ 1973 وما رافق فشلها من تصفيات، اُبلغ سكرتير حزبنا بشكل مفاجئ للحضور لتوقيع ميثاق الجبهة يوم 17 /7/ 1973 واعلن عن ذلك في وسائل الاعلام .
في تلك الظروف كان حزبنا يواصل مساعيه لانظمام الحزب الديمقراطي الكردستاني الى الجبهة لما له من ثقل سياسي وعسكري ، وبذل جهودا كبيرة لدى البارزاني وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني لاقناعهم بأهمية الانظمام الى تلك الجبهة لزيادة وزن القوى الديمقراطية لصالح النضال من اجل الحقوق القومية للشعب الكردي وانهاء فترة الانتقال واقامة حكومة دستورية وبناء المؤسسات التشريعية والتنفيذية على اسس ديمقراطية .
وقد وقفت قيادة الحركة والحزب الديمقراطي الكردستاني موقفا سلبيا من مساهمة حزبنا في الحوار الذي كان جاريا بينهم وبين السلطة مما اضعف من دورهم وتأثيرهم في التفاوض .
وسرعان ما ترجم ذلك الموقف الى ممارسات على ارض الواقع . ففي مناطق نفوذه بالذات، قام پيشمرگة حدك بملاحقة رفاقنا واغتيال عدد منهم . فقد استشهد احد عشر رفيقا من الشباب العائدين من الدراسة في الاتحاد السوفيتي، اذ جرى اعتقالهم بعد عبورهم الحدود من سوريا واعدامهم بأوامر من عيسى سوار.
كنا نحن الشيوعيون نشعر بقوة حينما جمعنا خيار التعاون مع رفاقنا في الحزب الديمقراطي الكردستاني في سنوات النضال المشترك . الا ان ما يؤسف له اتخاذ الاخوة في قيادة الحركة المسلحة مسارا مضادا لذلك التعاون وفضلوا عليه التعاون مع شاه ايران وامريكا ، وقد الحقت العلاقة بين الحركة المسلحة وشاه ايران اضراراً كبيرة بالحركة وبمجمل الحركة الديمقراطية العراقية.
واليوم اذ نعيد الذكريات نرى مدى الخسارة التي اصابت القوى الديمقراطية ، والفرصة التي تحققت للبعث لينفرد بالسلطة ، ويلجأ الى الطرق الخسيسة بتنازله لشاه ايران عن مياه واراضي عراقية لقاء التخلي عن دعم الحركة المسلحة ، واقامة مجازر الابادة للشعب الكردي ومن بعدها للشعب العراقي بجميع قومياته واحزابه السياسية .
وبدأ البعث بالتراجع بشكل واضح عن كل ما كان يطرحه بخصوص الحكم الذاتي، وقام بربط محافظات كردستان بوزارة الداخلية مباشرة وشكل المجلسين التنفيذي والتشريعي لمنطقة كردستان من عناصر موالية للبعث. وحُدد لحزبنا ثمانية مقاعد في المجلس التشريعي ومقعدين في المجلس التنفيذي.
كل هذه التطورات اثرت على محتوى قانون الحكم الذاتي. وقد ساهم رفاقنا في التقليل من سيئاته خلافا لحدك الذي رفض الاشتراك في المفاوضات، مما اضعف موقف حزبينا ازاء البعث. واستؤنف القتال في 11 / اذار / 1974 رغم كل محاولات حزبنا لدرء ذلك.
أدى موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى إضعاف موقفه امام البعث، الذي تمكن وبنجاح من دق اسفين بين حزبينا الحليفين منذ سنوات، أي الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني. واعتبر حدك دخولنا الى الجبهة موقفا معاديا له. في نفس الوقت كان التصور السائد لدى الكثير من رفاقنا واصدقائنا، ان حزب البعث يسلك في علاقته معنا تكتيكا مرحليا، لضرب حدك بعد تجريده من دعم اهم حلفائه ( حزبنا )، ولابد انه سينفرد بنا لاحقاً بعد تصفية الحركة المسلحة الكردية .
وفي ظل تعقيدات الاوضاع ، بات من الصعب على رفاقنا البقاء في مناطق نفوذ حدك. الا ان انصارنا لم يتركوا مقراتهم حتى تم اجبارهم من قبل حزبنا على تركها بعد ان تم تجريدهم من اسلحتهم. وهذا الاجراء لوحده يؤكد بأن تكتيكات البعث كانت تخفي وراءها النيات السيئة تجاه حزبنا. ومع ذلك استمرت قيادة الحزب في تعاملها مع البعث دون ان تفكر بأجراءات وقائية لصيانة الحزب.
توتر العلاقة مع الحركة المسلحة الكردية ـ شن الهجمات على رفاقنا
رغم استمرار العلاقة الرسمية بين حزبنا والحركة المسلحة الكردية، الا ان الاعتداءات على رفاقنا لم تنقطع حتى اواخر عام 1973، حيث تم اغتيال الكادر الشيوعي طه ملا أحمد (2) في ريف زاخو بتوجيهات مباشرة من عيسى سوار الذي شن حملة تصفية لمنظمتنا الحزبية في زاخو. وتوج عيسى سوار حملته تلك بأبشع جريمة اقترفها ضد الحزب بأصداره الاوامر لمسؤول فيشخابور ( سيد حميد ) بأعتقال احد عشر رفيقا قدموا من الاتحاد السوفيتي، ثم سلموا الى محمود حمري الذي اعدمهم قرب قرية ( بي بزن ) على سفح الجبل الابيض. وتمكن احدهم وكان جريحا من الهرب الا ان احد الفلاحين قبض عليه وسلمه الى عيسى سوار فأمر بأعدامه ايضا.
وبدأت منظمات حدك تصّعد من ملاحقاتها لرفاقنا. فقد اعتقل رفاقنا العاملين في العلاقات الوطنية في عين سفني وسجنوا في سجن سرسنك. واجبر رفاقنا على ترك مساكنهم في الشيخان والتجأوا الى ريف القوش.
ومن المفارقات الغريبة، ان يلتحق مع حسو ميرخان، عزيز كشمولة وكان هاربا من السلطة بتهمة تهريب المخدرات، وتحول بين ليلة وضحاها الى مدافع عن الثورة الكردية. وقد حاول حسو ارضاءاً لكشمولة إعتقال بعض رفاقنا ومنهم عمر الياس وعبد الرحمن القصاب وعادل سفر، الا اننا تمكنا من ابعادهم. وسحبنا انصارنا من مقر بيرموس قبل وصول مفرزة من حدك لمهاجمتهم ، ولم نترك في مقرنا الا قاذفة واحدة بلا عتاد كانت عائدة لحدك.
وقام حسو بأبلاغنا عبر الرفيق دنخا البازي بضرورة ارجاع ما بذمتنا من اسلحة حدك. وبعد ابلاغي مكتب الاقليم بهذا الطلب ابدى الرفاق موافقتهم على ارجاع الاسلحة.
جاءني الى القوش علي بالطه عضو محلية الشيخان ومعه مفرزة مسلحة يطلب تسليمه السلاح. فأبلغته بأننا سنسلمه ما بذمتنا في القوش وسأزوده برسائل الى رفاقنا في المناطق الاخرى لتسليم ما بذمتهم. رفض ذلك وطالبني بالتسليم فورا وفي القوش، وبدوري رفضت هذه الشروط . حينها تأكدت من نواياهم في البحث عن اية مبررات لضرب القوش .
كنت في الموصل عندما حضر الرفيق رحيم قودا لابلاغي بنبأ احتلال پيشمرگة حدك لجبل القوش ودير السيدة، وانذروا مدير الناحية بأنهم سيحتلون البلدة اذا لم يسلم الشيوعيون الاسلحة التي بذمتهم. وبدأوا فعلا بأطلاق النار بأتجاه محلة سينا وقتلوا احدى النساء المسنات. وبسبب سريان مفعول الهدنة بين السلطة وحدك، لم يتخذ مدير الناحية اية اجراءات، حيث اكتفى بأستدعاء سرية من الشرطة للمحافظة على مركز شرطة القوش  .
لم يكن خافيا علينا موقف السلطة الانتهازي ، ومحاولاتها لدفع الخلاف بيننا وبين حدك الى حد الاصطدام ، لكن تمادي پيشمرگة حدك، جعلنا نتخذ الاجراءات الوقائية لصيانة رفاقنا وعوائلنا. فأوعزت الى منظمة القوش والريف بتوزيع السلاح فورا على الرفاق والاصدقاء من الاهالي واتخاذ مواقع دفاعية لحماية القوش.
كان مسلحو حدك بقيادة عضو محلية الشيخان عبد جبرائيل رزوقي (3) قد تمركزوا على السفح الشمالي اضافة لاحتلالهم دير السيدة. ولانه لم يكن من ضمن سياستنا ولا من مصلحتنا توسيع العمليات العسكرية مع حدك، فأننا لم نقم بأية عمليات هجومية ضدهم. وفعلا تمكن انصارنا والطلبة المتطوعون من الدفاع عن القوش وتحرير جبلها وطرد الپيشمرگة بعيدا .
وهكذا فقد ارتكب حدك خطأ فادحا حينما اتخذ موقفا معاديا من حزبنا، واجبرنا بالتالي لدخول معارك للدفاع عن حياة رفاقنا وعوائلهم. وبهجماته تأزمت العلاقة بيننا جدا، ولم يكن المستفيد من ذلك التأزم سوى النظام.
وفي 11/ آذار/ 1974، انتهت الهدنة واستأنفت العمليات العسكرية بين حدك والبعث. ولم نكن نتوقع ان تقدم الحركة المسلحة وقبل اي شئ اخر بحملات انتقامية ضدنا. فقد حشدت الحركة قوات كبيرة من پيشمرگة حسو ميرخان وبضمنهم فوج المسيحيين بقيادة شعيا اسرائيل وقوات عيسى سوار لتطويق القوش من الجهات الشرقية والغربية والشمالية. وكان ادلاء هذه الحملة هم كل من عبد جبرائيل رزوقي وسعيد موقا وكوريال بللو مندفعين بحماس لاجتياح بلدتهم واستباحتها وقتل ابنائها، حيث كانت صواريخ البازوكا التي يطلقها كوريال بللو تنهال على الاهالي ومساكنهم بكثافة.
احكم الپيشمرگة حصارهم على ألقوش من كل الجهات عدا الجهة الجنوبية حيث يعسكر فوج من الجيش على مسافة ثلاثة كيلومترات فقط . استمرت المعارك ليلا لمدة اسبوع، ضرب الانصار خلالها اروع صور البطولة دفاعا عن بلدتهم.
ولانهاء هذا الوضع قررنا القيام بهجوم معاكس لازاحة الپيشمرگة بعيدا عن الجبل المطل على القوش. ولم يكن عدد انصارنا كافيا لتلك المهمة، فأضطررنا الى تسليح الطلبة المتطوعين ، حيث تم تسليح 150 طالبا مع بعض رفاق منظمة الريف.
اسندت قيادة العملية للرفيق دنخا البازي ( ابو باز ) ويساعده الرفيق هاشم العناز ( ابو جاسم ). وفي التاسعة مساءاً، تحركت قوتنا من ألقوش بأتجاه الجبل. وبدون اثارة اية ضجة، وصلت القوة الى مواقع الپيشمرگة وهم نيام ولما إستيقظوا، وجدوا أن انصارنا يحيطون بهم، فهربوا تاركين مواقعهم دون اطلاق النار. ساعد فرارهم رفاقنا على الوصول الى قمة جبل الربان هرمز، وانهاء الحصار المفروض على ألقوش، حيث عادت حركة الاهالي داخل البلدة من جديد الى طبيعتها، وفتحت الطرق من القوش واليها. وقد استشهد في تلك العملية الرفيق علي سيسو.
في صباح نفس اليوم، تقدمت مفرزة من الطلبة واقتحمت قرية بوزان وسيطرت عليها بعد هرب الپيشمرگة منها. وبدون اي سابق انذار او تنسيق، وصلت دبابتان الى بوزان واطلقت احداها قذيفتان بأتجاه ربيئة شرقي القرية وكان فيها مجموعة من رفاقنا بعد السيطرة عليها. فأستشهد على الفور الطالب ايليا جرجيس حيدو وجرح الرفيق علي تيلو. ثم تقدم الطلبة نحو خورزان وكرسافا ومنها الى سلسلة من قرى المنطقة، حيث تمت السيطرة عليها حتى باعذره.
تسليم سلاحنا لحكومة البعث ـ تشكيل السرايا
لم يستوعب الرفاق والانصار بوجه خاص قرار قيادة الحزب بتسليم سلاحنا لحكومة البعث. إذ وبكل بساطة تنازل الحزب عن ما كان يمكن ان يدعم مواقفه. تُرى كيف يمكن الدفاع عن قرار خطير يقطع الطريق امام الحزب اذا ما اضطر يوما لمواجهة ارتدادات محتملة جدا من نظام البعث؟ وبماذا سندافع عن كيان الحزب ونصون تنظيماتنا ورفاقنا؟
هكذا وبكل بساطة وبقرار متعجل بات الشيوعيون عُزل تماماً.
اتذكر انه في كل جولة مفاوضات دخلتها الحركة المسلحة الكردية مع الحكومات العراقية، كان البارزاني يصّر على شرط واحد لا نقاش فيه لدخول المفاوضات، وهو الاحتفاظ بأعداد من المسلحين كي يكون إنخراطه في المفاوضات مدعوماً بالسلاح ومن موقع القوة.
ان التبريرات التي طرحت بخصوص قرار الحزب من ان البعث سيقوم بتزويدنا بسلاح بدل سلاحنا، لا يمكن ان تقنع احداً، لأن سلاح السلطة لابد وان يسحب يوماً ما ، بعد انتهاء الحاجة من حمله. اضافة الى ذلك، كان على من يستلم السلاح من السلطة التوقيع على قوائم وشروط تنص احدى فقراتها على السجن لمدة عشرين عاماً لكل من يتخلف عن ارجاع قطعة السلاح التي استلمها.
فكيف يمكن التبرير ان لا فرق بين حمل سلاح الحزب وبين حمل سلاح السلطة ؟؟
لقد ساد اعتقاد لدى الرفاق وخاصة في المكتب السياسي بأن عهد السلاح قد ولى. وهذا بالضبط ما صرح به احد الرفاق في اشرافه على اجتماع لجنة اقليم كردستان، حيث أشار الى أننا سوف لا نناضل بالسلاح وانما سنبدأ النضال بالقلم .
ولم اكن وحدي من المعارضين لذلك القرار، بل شاركني فيه أغلب رفاق محلية نينوى.
بعد عودتي من سفرة قصيرة الى بلغاريا، علمت بأن المكتب السياسي كان قد طلب من الرفاق في اللجنة المحلية تقديم قوائم بجميع قطع السلاح الى دائرة الامن. لكننا عند تسليم الاسلحة تمكنا من اخفاء 15 قطعة منه دون علم قيادة الحزب.
وبعد استئناف القتال تشكلت لحزبنا وفق قرار البعث عشرون سرية مسلحة، 7 منها في السليمانية وكركوك و6 في اربيل و4 في دهوك و3 سرايا في نينوى لم يتم تشكيلها وسحب السلاح المخصص لها، علماً بأن تلك السرايا جهزت ببنادق كلاشنكوف فقط.
كانت الغاية الاساسية من تشكيل السرايا هي زج حزبنا في مواجهة مباشرة مع الحركة المسلحة الكردية لقطع الطريق امام اي تقارب في المستقبل.
وبنفس الوقت لم يكن رفاقنا متحمسون للقتال، بل كانوا يتجنبون الدخول في معارك مع البپيشمرگة. ولم يكن ضمن برامجنا القيام بأية مهمات عسكرية ضد مقرات حدك. الا ان المسؤولين في الحركة المسلحة تابعوا هجماتهم واعتداءاتهم على رفاقنا. ففي قرية ( بيروزاوا ) تصدى رفاقنا لهجوم الپيشمرگة ودحروه لتنسحب القوة المهاجمة وتخلف وراءها عدداً من القتلى. وفي هجومهم على باعذره، تمكن مقاتلو حدك من السيطرة على القرية في البداية، بعد انسحاب رفاقنا الى اطرافها، ولكنهم واصلوا قتالهم واستطاعوا دحر الهجوم.
ــــــــــــ
(1) تم في نفس الاجتماع ترشيح الرفاق ( رحيم عجينة وكاظم حبيب وعادل حبة وفاتح رسول و نائب عبد الله و توما توماس) كمرشحين لعضويتها .
(2) طه ملا احمد مرشح محلية الموصل ، اعتقل بعد انقلاب 1963 في الموصل ، من اهالي زاخو ، بعد اطلاق سراحه استقر في زاخو وعاد الى صفوف الحزب ، عمل في ريف زاخو ككادر حزبي .
(3) عبد جبرائيل رزوقي، من القوش ، معلم ابتدائية ، عضو في محلية الشيخان لحدك اثناء الهدنة بعد بيان اذار 1970 ، ترك حدك ، واستقر في القوش تحت مظلة البعث

أوراق توما توماس ( 14 )
 
محاولة اغتيال البارزاني
إن كيفية التخلص من قادة الحركة المسلحة الكردية وبالتالي القضاء عليها كان كل مايشغل بال البعث وحكومته. ففي اثناء المفاوضات في بغداد، حاولت السلطة اغتيال ادريس ( نجل البارزاني )، الذي كان مسؤولا عن الوفد المفاوض، الا انه تمكن من الفرار من بغداد سراً.
اما فكرة اغتيال البارزاني فقد راودت السلطة وخططت لها منذ اليوم الاول لدعوتهم لانهاء الاقتتال، ومن خلال اعلى هيئة حزبية وامنية لدى البعث، وبأشراف وتوجيه مباشرين من صدام حسين. وعهد امر تنفيذ الخطة الى المخابرات العامة.
وقامت السلطة بتشكيل وفد من تسعة رجال دين معروفين في العراق، وتم ارسالهم الى حاج عمران للالتقاء مع  البارزاني بهدف تقريب وجهات النظر وحل الخلافات التي كانت تتفاقم يوماً بعد اخر. ونقل الوفد رغبة الحكومة العراقية في فتح صفحة جديدة من التعاون لازالة الخلافات. وقد رحب البارزاني بمبادرة الحكومة، وأكد حرصه على استمرار المساعي الصادقة لحل القضية الكردية بالطرق السلمية. بعد ذلك رجع الوفد الى بغداد على امل اللقاء مجددا في حاج عمران بعد فترة قصيرة، على اعتبار ان الوفد بحاجة لاستشارة السلطة في بعض الامور الاساسية.
وفي 29 /7/ 1971 وصل الوفد ثانية الى حاج عمران بسيارتين. وكانت السلطة قد زجت في هذه المرة مع الوفد بأثنان من افراد المخابرات العراقية تنكرا بزي رجال الدين، ودون ان يثير ذلك اية شكوك لدى اعضاء الوفد الاخرين. كان احدهما ويدعى ( ابراهيم الخزاعي ) يربط على جسده آلة تسجيل مفخخة بمادة متفجرة، دون ان يعلم شيئاً عنها، إذ كان قد بُلغ بأنها آلة لتسجيل الحديث بين البارزاني واعضاء الوفد. وفي نفس الوقت كلف سائق احدى السيارتين بأستخدام جهاز الكتروني يتحكم بآلة التسجيل لتفجيرها.
في الساعة الرابعة وخمس واربعين دقيقة عصراً، استقبل البارزاني ضيوفه مرحباً بهم. وبعد ان استلم نسخة من القرآن كهدية، دوّي صوت انفجار هائل فتناثرت اشلاء  ابراهيم الخزاعي، وقتل على الفور اربعة من اعضاء الوفد كانوا جالسين الى يمين  البارزاني .
وفي نفس الوقت حاول السائقان، وهما ايضا من رجال المخابرات، الهرب. الا ان حرس البارزاني عاجلاهما بأطلاق النار عليهما، وتمكن احدهما من القاء عدة قنابل يدوية في اللحظة التي كان البارزاني قد خرج ليطلب من حراسه عدم اطلاق النار. فأصيب البارزاني على أثرها ببعض الشظايا برأسه وجنبه. عندها اطلق حراسه النار على جميع اعضاء الوفد بلا استثناء معتقدين انهم جميعا مشاركون في محاولة الاغتيال. فقتل رجال المخابرات في الحال، كما قتل ايضا اثنان من حرس البارزاني واصيب 14 اخرين بضمنهم البارزاني.
ملاحقة الامن لانصارنا في القوش
استمرت السلطة في ملاحقة منظماتنا ورفاقنا وانصارنا اثناء فترة الهدنة إثر اتفاقية اذار بينها وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني. وتمادت السلطة في قمعها واضطهادها للشيوعيين وعوائلهم، في الوقت الذي اتخذ الحزب الديمقراطي الكردستاني موقفا محايدا، حفاظا على تحالفه مع السلطة.
في اواخر تموز 1971 كنت برفقة عدد من انصارنا في مقهى شعبي في القوش، فدخل معاون الشرطة ( ابو ياسر ) ومعه احد افراد الامن عزيز عيسى قاقا (1) واثنان من افراد الشرطة. واخذوا بتفتيش المقهى، ثم اوعز معاون الشرطة الى مرافقيه بتفتيش رواد المقهى، واشار متعمداً بأتجاهي . حاول الشرطيان التقرب فنهرتهما فعادا ادراجهما حالا. وقف ( ابو ياسر ) في باب المقهى ، وناداني لألحق به الى مركز الشرطة. اوقفته وكان مازال في السوق، وقلت له : "اذا كنت رجل وشجاع ، يمكنك اعتقالي" .
اثناء ذلك تجمع الطلبة والاهالي وضربوا طوقا حول معاون الشرطة، وبالكاد وجد طريقه الى المركز. بعد نصف ساعة جاء الشرطيان الى السوق وطلبا مني مرافقتهما الى المركز. فحاول الطلبة الاعتداء عليهما ونزع سلاحهما، فمنعتهم من ذلك .
حاول مسؤول مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني ( محمد رشيد ربتكي ) اقناعي بالذهاب الى المركز فقلت له: " هل تدرك ما يريدونه مني ؟ هل لك امكانية لمنع احتجازي في المركز؟". واراد ربتكي ان يقنعني ، مدافعاً عن معاون الشرطة. فأخبرته : " بأنني لست تابعا لك ، وعليك ان تعرف حدودك ، وما هو موقعك وموقعي في الثورة الكردية، فأنت تعرف جيدا ان صلتي بالبارزاني مباشرة ". عندها اعتذر وابلغ المعاون بعدم قدرته على اقناعي. وهكذا كان الحال ايضا مع محاولة علي بالطة عضو محلية الشيخان، الذي زارني في البيت لذات الغرض.
واخيرا حاولوا بطريقة اخرى اكثر دقة ومرونة. فقد وصل الى القوش فجأة كل من جبرائيل اسحق (2) عضو فرع نينوى لحزب البعث و احمد الجبوري (3) عضو فرع نينوى وقائمقام قضاء تلكيف ومعاون شرطة قضاء تلكيف ومعهم طبعا ابو ياسر من أجل حل ذلك الخلاف. وتم تكليف محمد رشيد ربتكي بمرافقتي الى المركز لعقد اجتماع للمصالحة. رفضت ان يكون المركز محلا للاجتماع واقترحت مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني بديلا عنه، ووافق وفد البعث على امل استدراجي.
وضع رفاقنا الانصار حراسة مشددة على مقر الديمقراطي الكردستاني في القوش. وكان پيشمرگة حدك اكثر حرصاً وإستعداداً من مسؤوليهم في الدفاع عني، وحضرت الاجتماع بسلاحي الشخصي ( كلاشنكوف ).
تحدث جبرائيل اسحق عن التعاون بين حزبينا !! وضرورة تجاوز ما جرى من خلاف مؤكدا على انتقاده لمعاون مركز شرطة القوش. بعد ذلك اعتذر المعاون عما بدر منه وابدى استعداده لبناء علاقة جديدة بيننا، ولاستقبالي في المركز وقت ما اشاء ( هكذا .. ).
كنت على دراية من غايتهم. ولم يكن لدي اي وهم من انهم سيعتقلوني في حالة دخولي الى المركز، وعندها لن تنفع قوة الانصار بشئ ولن تتمكن من اطلاق سراحي.
وعند مغادرة الوفد لمقر حدك، تأخر احمد الجبوري قليلا، واختلى معي، وقال : " لا تصدق كلام الوفد واياك من الذهاب الى المركز. يوجد لدينا قرار في قيادة الفرع لاعتقالك وتسفيرك فورا الى بغداد "، ثم تركني ليلحق بالوفد.
وواصل البعث واجهزته مختلف اشكال التضييق والملاحقات على انصارنا ورفاقنا. ففي خريف  عام 1971،  وكانت الاوضاع ما تزال متوترة، نقل الى القوش المدعو سعد منصور ليتولى مهمة ضابط أمن، وهو من تلكيف اصلا ويسكن في بغداد و يتصف بالغرور والجبن والغدر. كان يدّعي امام اهالي القوش بأنه يلاحق الانصار الشيوعيين لاعتقالهم ، لكنه وما ان يصل الانصار يختفي ولا يظهر له اي اثر الا بعد مغادرة اخر نصير للبلدة.
كان معه اثنان من افراد الامن احدهما ويدعى حبيب من اهالي قرقوش والاخر شاب من الموصل، معروفين بشراستهما وكلفا بملاحقة رفاقنا باستمرار وبمحاولات لخلق المشاكل داخل البلدة.
كنت في احد الايام في السوق ويرافقني سالم يوسف عند دكان احد الاصدقاء عندما مر الرفيقان هرمز بوكا ورحيم قودا في طريقهما الى خارج السوق. وانتبهنا الى انهما كانا ملاحقين من قبل رجل الامن حبيب ورفيقه. وعند عودة رجلي الامن  بادرهما سالم بالسؤال : لماذا تلاحقان رفاقنا ؟. فرد عليه حبيب : هذا واجبنا ولا تتدخل، وعلى حين غرة تلقى سالم صفقة قوية وخاطفة على خده اضاعت صوابه ، وكأن الامر كان مبيتاً ومخططا له لتفجير الموقف.
وفي الحال هجم الاهالي على رجلي الامن، وانهالوا عليهما بالضرب واخذوا مسدس احدهما. ولولا تدخلي وايقاف الضرب لكانا قد قتلا في السوق.
كان الذي حصل هو ما ينتظره المعاون وضابط الامن، الذين قاما حالا بإبلاغ رؤسائهم عن الحادث. وعلى إثر ذلك، تم احتلال السوق واستنفر افراد الامن والشرطة. وتفاديا للاصطدام بهم وللحفاظ على البلدة، قررنا الخروج الى سفح  الجبل .
 
وكما هي العادة توجهت قوة من الشرطة والامن الى دارنا لاعتقالي. و طوقوا الداربشكل استفزازي  دون ان يتجرأ احدا منهم للدخول. وعندما طلب احد أفراد الشرطة من ام جوزيف استدعائي ، قالت له : " حاول طالما بيدك كلاشنكوف ان تتقرب من باب الدار، وسترى ماذا سيكون مصيرك ". في تلك اللحظة وصل ابني منير *، وكان فتى في السادسة عشر من عمره، وكنت قد ارسلته ليبلغ والدته بعدم السماح للشرطة بدخول الدار. فطلبت منه الرجوع لابلاغي بأنها سوف لن تسمح لهم بتدنيس عتبة الدار. فلمحه احد افراد الشرطة ويدعى  نيسان، من اهالي قرية آزخ،  وصاح بالاخرين : " هذا ابنه لنعتقله كرهينة بدلا عنه … ".
عاد منير الى الوراء راكضا ومعه احد اصدقائه ( جاسم القس يونان ) لينطلق افراد من الشرطة في اثرهما. وقبل وصولهما الى الوادي القريب من مكان وجودنا، كادت الشرطة ان تمسك بهما، فأطلقت صرخة من مكاني على المطاردين، الذين  تفاجأوا من وجودي بذلك القرب، وتبعتها بطلقة برنو بين ارجلهم، فولوا هاربين .
بعد الظهر تأزم الوضع بوصول تعزيزات عسكرية من الموصل قوامها فوج من الجيش قام بأحتلال البلدة، وبدأوا بمحاولة للتقدم بأتجاهنا. ولتفادي الاصطدام قررنا الانسحاب غربا الى ما وراء الجبل.
كنا نأمل أن يتفهم مسؤولي الحزب الديمقراطي الكردستاني في المنطقة موقفنا، الا انهم واصلوا موقفهم بعدم التدخل وكأنما الامر لا يعني ابرز حلفائهم في الحركة المسلحة. وقد طلبت من مسؤول مقرهم في القوش (جندو - وهو مسيحي من اهالي قرية كيرانجو ) التدخل ، فأعتذر قائلا : " نحن في تحالف مع البعث ".
ورغبة منا بعدم تطوير الخلاف، آخذين بنظر الاعتبار وضع عوائل الانصار وموقف حليفنا (حدك )، قررنا سحب قوتنا ورفاقنا في التنظيم المحلي الى قرية بندوه تمهيدا للانسحاب الى بيرموس وتحديد زيارة العوائل في القوش ليلاً وعدم بقاء الانصار نهاراً فيها .
 
البعث يتبع تكتيكات جديدة مع المعارضة
لقد باءت بالفشل كل محاولات البعث في القضاء على الحركة المسلحة الكردية، اضافة الى فشله في إثارة خلافات حادة بيننا وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني . فأستبعد الحل العسكري واتبع تكتيكا جديدا دشنه بطرح "مشروع الميثاق الوطني "، كخطوة اولى لتشكيل التحالف الجبهوي. وقد وجد حزبنا في مشروع الميثاق ما يمكن مناقشته وما يمكن الاتفاق عليه ايضا من اجل قيام جبهة موحدة تقود البلاد.
وإثر ذلك خفف البعث من ضغطه على الشيوعيين، واطلق سراح من تبقى منهم في السجون ، علماً إن كثيرين منهم كانوا قد استشهدوا تحت التعذيب.
وأزاء الحاح البعث، استجاب الحزب الشيوعي في 2 /5/ 1972 الى الدعوة للمشاركة بوزيرين في وقت كان لحدك خمسة وزراء ، وذلك بهدف تطوير التعاون. وقد شفع حزبنا استجابته تلك بتشكيل مجلس للوزراء. وقد وافق البعث على ذلك الشرط. وبعد تأميم النفط في 1 /6/ 1972 سُمح لحزبنا بإصدار جريدة اسبوعية  عربية ( الفكر الجديد ) باللغتين العربية والكردية، الى جانب الثقافة الجديدة.
وقد تحولت الفكر الجديد  في 18/6/1972 الى جريدة سياسية لتعكس وجهة نظر الحزب في المعركة ضد الاحتكارات النفطية .
لقد أخطأ بعض الرفاق في قيادة الحزب حينما اعتقدوا ان بالامكان المضي بهذا التعاون قدما نحو الاشتراكية يدا بيد مع البعث. فالتجاوزات لم تتوقف مطلقا، والاعتداءات كانت مستمرة حتى في اثناء التجمعات والتظاهرات المؤيدة لخطوات البعث نفسه.
وفي الوقت الذي بقيت مقرات انصارنا في مناطقها، واستمرت علاقاتنا الجيدة مع الحركة المسلحة الكردية، كانت العلاقة بينها وبين البعث تتوتر يوما بعد اخر بسبب الخلافات في تحديد منطقة الحكم الذاتي. وقد تم الاتفاق على اجراء احصاء عام للسكان لتحديد مناطق الحكم الذاتي، مع استمرار الخلاف على مناطق مثل الشيخان وخانقين وسنجار وكركوك.
ولجأ البعث الى سياسة التعريب، وبدأ بالضغط على القوميات الاخرى لتسجيلها ضمن القومية العربية مع ابقاء الاختلاف على الديانة فقط ، كأن يجري تسجيل للكلدان والآشوريين كعرب مسيحيين !! .
وفي نفس الوقت حاول الاكراد بدورهم اتباع نفس الاسلوب ونفس السياسة وإعتبار الكلدان والاشوريين اكراداً مسيحيين!!. الا اننا وقفنا بأصرار ضد المحاولتين بلا تمييز.
استدعاني البارزاني لمقابلته في حاج عمران، ليفاتحني قائلا : " لماذا تقفون ضد الحركة الكردية بجانب البعث عند تسجيل الاهالي كلداناً واشوريين وليس اكرادا؟ ".
قلت له : " تماما كما تقول ، نحن نسجل كما يجب ان نكون.  إننا كلدان واشوريون ولسنا عرباً او كرداً". وإستطردت قائلاً " من غير الصحيح ان ننكر انتمائنا القومي، فقد كنا وسنبقى الى جانب الحركة الكردية اثناء الاستفتاء ، ولكن لا يمكن ان يكون ذلك على حساب قوميتنا ".
ومن المؤكد ان البارزاني قد تفهّم وجهة نظري وايدها، لانه كان قد اوعز الى المسؤولين الاكراد بالكف عن التدخل في شؤوننا.
و بدأت العلاقة بين البعث والحركة الكردية تتدهور اكثر من السابق. ولم يجر اي احصاء للسكان، واتبع البعث سياسة الانفتاح تجاه القوميات الصغيرة لكسبها الى جانبه بالضد من الاكراد. فقد اصدر مرسوماً يقضي بمنح الناطقين بالسريانية، من الكلدان والاشوريين والسريان، الحقوق الادارية والثقافية. واتخذت عدة قرارات بتعيين بعض مدراء النواحي والقائمقامين من الناطقين بالسريانية في المناطق التي يسكنها الكلدان والاشوريين مثل قضاء تلكيف وقرقوش ونواحي برطلة وعين كاوة والقوش و تلكيف ..الخ. و تم تعيين من كان منتمياً لحزب البعث بأستثناء مدير ناحية القوش عبد الياس رمو (4). كذلك منح امتياز لمجلة قالا سوريايا ( الصوت السرياني)، وأسس المجمع العلمي السرياني، واجيز عدد من النوادي والجمعيات الرياضية والاجتماعية .
 
(1) عزيز عيسى توما هومو ( عزو قاقا) من اهالي القوش ، كان بعد ثورة تموز (14) مرشحا في الحزب الشيوعي ، عاطل ومقامر ، بعد انقلاب شباط 1963التحق مع الحزب الديمقراطي مع عدد من ابناء عمومته ولعبوا دورا سيئا تجاه اهلهم وبلدتهم ، جند نفسه بالامن وبعد الانقلاب الثاني للبعث سنة 1968انتمى لحزب البعث اضافة الى عمله كرجل امن وكان في نفس الوقت يتودد الى البارت ، كان انتهازي ويعمل بشكل هادئ كاي رجل امن محترف،اعتقله الانصار سنة 1987(وكنت حينها خارج كردستان) وسجن حتى حملة الانفال واطلق سراحه اثناء انسحاب الانصار الى تركيا . يعيش حاليا في القوش .
(2) جبرائيل اسحق ، من اهالي بحزاني ، بعد ثورة 14 تموز انتمى للبعث وتدرج حتى اصبح عضو فرع الحزب في نينوى ، بعد الانتفاضة ارسل ممثلا عن البعث لحل المشاكل في دهوك اعتقله البيشمركة مع ابنه وابعد من المحافظة .
(3) من اهالي محافظة الموصل ، معلم ابتدائية كان يدرس في برزان ويعيش في القوش مبعد سياسي كونه من جماعة البكر ، سنة 1965راجعني رفاقنا من المعلمين طالبين حمايته لان رشيد عارف يحاول اعتقاله وهو صديق لهم وسلوكه جيد .طلبت من الاخ رشيد عارف الاتروشي بالكف عن ملاحقته لاننا نكفله وليس لديه شيء وقد اوعز الاخ رشيد الى البيشمركة عدم التحرش به ، بعد انقلاب البعث سنة 1968 اصبح عضو فرع نينوى. يبدو انه اراد رد الجميل لي منطلقا من النخوة العشائرية .
* وجد اسمه ضمن قائمة من 16 شيوعيا اعدموا في الموصل اواخرعام 1984 ولم يعثر على اي اثر منهم ، عثر على الوثيقة بعد سقوط النظام ( موقع الناس )
(4) عبد الياس رمو ، من اهالي القوش تم ترشيحه بمقترح مني ، خريج حقوق كان يعمل في مديرية تسجيل الاراضي ، نقل بعدئذ الى مديرية ناحية برطلة .

أوراق توما توما ( 13 )

عشية بيان 11 آذار
كان على البعث بعد مجيئه الى السلطة ثانية ان يواجه الحركة المسلحة الكردية، وقد تنامت امكانياتها وباتت تشكل خطرا حقيقياً. كما انها تحظى بتأييد شعبي كبير وبدعم واسناد من الحزب الشيوعي العراقي .
وخلال قرابة عام ونصف وهي تعاني من ضعف التأييد الشعبي، حاولت سلطة البعث حسم الصراع عسكرياً، حيث شنت العديد من الهجمات العسكرية، وشاركت فيها صنوف الجيش والافواج الخفيفة ( الجحوش ). واستمرت السلطة بسياسة الارض المحروقة في القرى والقصبات في منطقة كردستان. الا ان كل ذلك اصطدم بصمود بطولي من الشعب الكردي ومن الپيشمرﮔة والانصار .
يذكر حردان التكريتي في مذكراته قائلاً(1) " في الواقع ان الاكراد استطاعوا بصمودهم البطولي خلال قرن كامل أن يركعوا الحكم الى درجة بتنا نخشى أن يؤدي استمرار الحرب الى سقوط بغداد بأدي الملا مصطفى البرزاني . وقد بلغ معدل ضحايا الجيش العراقي قبل شهور من بيان 11 آذار الى 325 بين قتيل وجريح اسبوعياً. وبعد أن قمنا بمحاولة أخيرة للقضاء على المقاومة قبل 11 آذار بشهرين فقط، وفشلنا فيها قررنا إجراء مفاوضات مع الملا، لأنهاء القتال لأن ذلك كان سيعطينا فرصة طويلة للبقاء في الحكم .
وكان القصد من المفاوضات اعطاء الملا كل التنازلات التي يريدها، في محاولة لاحتوائه أو تنظيم انقلاب عسكري ضده. ولكنه كان اقوى واذكى وأكثر تمرسا بالأساليب السياسية والعسكرية. ولذلك فقد اشترط في بند سري من بنود البيان بقاء (( 25 )) الف جندي من الپيشمرﮔة تحت السلاح. وقد اعطيناه ذلك. ولكن قررنا أن نستغل فترة إنهاء الحرب لادخال عناصر من جماعة جلال الطالباني، وهو عدو تقليدي للملا في جماعة الملا، والقيام بأغتياله عند اللزوم. فالحزب لايمكن أن يطبق بيان 11 آذار بكامل بنوده لأن ذلك يعني اعطاء أضخم حقول البترول العراقية للأكراد، وهو حقل كركوك، وذلك يعني إفلاس الحكومة تقريبا. من هنا ، فقد قرر الحزب القيام بإحدى الخطتين :
1- أما اعلان الغاء اتفاقية آذار ضمن حملة عسكرية ضخمة تقوم بها القوات العراقية، وانهاء قضية الحكومة اللامركزية التي يطالب بها الملا .
2- أو القيام بتوطين عائلات عربية في المناطق الكردية قبل اجراء احصاء عام فيها، الأمر الذي سيمكن الحزب من بقاء سيطرته قانونيا في تلك المناطق . وللحقيقة فان حكمنا لم يكن مخلصا للاكراد في اي يوم ولن يستطيع ان يصبح مخاصا لهم في المستقبل اطلاقا. وسيكتشف الاكراد ذلك ان لم يكن قد اكتشفوه فعلا . "
من الواضح ان بيان 11 اذار 1970 لم يأت وليد صدفة او برغبة صادقة من البعث لمنح الشعب الكردي حقوقه القومية. فالبعث حزب قومي عربي لايعترف بوجود قوميات الاخرى في الوطن العربي، ويعتبرها مجاميع بشرية دخيلة عليه يتوجب صهرها في المجتمع وتعريبها.
و لولا فشل السلطة في تعاملها مع القضية القومية واقتصار حلولها على الحسم العسكري لما كانت قد اذعنت ووافقت على اغلب شروط الحركة المسلحة الكردية .
كانت القطعات العسكرية تواجه بمقاومة جبارة حتى اواخر عام 1969. وكان الطرفان في سباق مع الزمن لتحقيق انتصارات على الارض. فقد حرصت الثورة الكردية على ان تدخل في اية مفاوضات متوقعة من موقع المنتصر. أما السلطة فهي حاولتأيضاً بأقصى امكانياتها انزال خسائر بالاهالي العزل انتقاما لخسائرها في المواجهات العسكرية. و اقترفت السلطة في تلك الفترة جريمة ابادة قرية صوريا المسيحية وقرية ده كان الكردية .
مذبحة قرية صوريا ـ 16/ 9/ 1969
تقع قرية صوريا على ضفة نهر دجلة وهي تابعة لقضاء زاخو، وتبعد كيلومترات قليلة عن قرية فيشخابور الحدودية مع سوريا. ويسكنها قرابة عشرون عائلة مسيحية تعمل بزراعة الحنطة والشعير وتربية الحيوانات.
في صباح يوم 16/9/1969، انفجر لغم مضاد للاليات تحت ناقلة عسكرية، وقتل واصيب على اثره عدد من العسكريين وكان بينهم احد المسؤولين. وونظراً لان قرية صوريا هي الاقرب من غيرها الى محل الانفجار، فقد اختارها الفاشيون هدفاً لهم كي ينتقموا ويستعرضوا قوتهم وبأسهم .
شاهد اهالي القرية قافلة عسكرية تتقدم نحوهم القرية، فخرج المختارخمو مروكي والقس حنا الذي كان في زيارة لاجراء الطقوس الدينية ومعهما حسين محمد وهو سائق سيارة استأجرها القس، خرج جميع هؤلاء لاستقبال القافلة العسكرية والترحيب بها عند مشارف القرية. ترجلت القوة العسكرية وكانت بأمرة الملازم (عبد الكريم محمد الجحيش ) من الفوج الرابع التابع للواء الثالث والعشرين. وبدون سابق انذار، بادر افراد القوة بفتح النار فقتل الثلاثة في الحال. ثم طوقت القوة العسكرية القرية وقام الجنود بإخراج جميع الاهالي قسرا من دورهم، وتم تجميعهم واطلاق النار عليهم وبقرار عدم ترك اي جريح. بعدها قام القتلة بتفيش القرية فوجدوا خمسة صبيان قتلوهم دون رحمة، ثم قاموا بأحراق القرية حيث احترق عدد من الاطفال الرضع كانوا قد تركوا داخل البيوت .
وبعد ان مٌثّل بالجثث بحثا عن الخواتم وعن حلي النساء طمرت في حفرتين داخل القرية .
مجزرة كهف ده كان ـ 18/8/1969
تقع قرية ده كان في منطقة شمكان على سفح جبل بي خير من جهة الشرق وبالقرب من قرية خورت. وتشتهر القرية بزراعة الزيتون والليمون، وتسكنها حوالي 30 عائلة كردية. وقد تم حرق هذه القرية عدة مرات، وضمن سياسة الأرض المحروقة التي مارسها النظام منذ اليوم الاول لرجوعه الى السلطة في تموز 1968. تعرضت هذه القرية مثلها مثل آلاف القرى الكردية الى الحرق من قبل قطعات الجيش والجحوش .
وفي احدى الحملات العسكرية ضد الحركة المسلحة الكردية، كان احد محاور العمليات في منطقة عقرة والشيخان وبأمرة قائد الفرقة عبد الجبار الاسدي .
اعتاد اهالي القرى الكردية على ترك قراهم كلما تكثف القصف المدفعي اوالجوي في مناطقهم. فيلجأ الاهالي الى سفوح الجبال او الكهوف القريبة. وهذا ما فعله اهالي قرية ده كان، إذ توجهوا الى كهف كبير قرب قريتهم، وكان عددهم 67 شخصاً جلهم من النساء والفتيات والصبيان. بعد نهب ممتلكات الاهالي ، قام الفاشيون بحرق القرية
كان الاهالي وفي مسعى لزيادة تمويه مكان اختفائهم، قد وضعوا الاغصان والاعشاب على مدخل الكهف الذي اختبأوا فيه. الا ان ذلك لم ينقذهم ، اذ عُثر عليهم ، فقام الجحوش وافراد الجيش بحرق الاغصان والاعشاب في مدخل الكهف مع اطلاق النار بكثافة صوب داخل الكهف في محاولة لمنع خروج اي من الاهالي. فتعالى صراخ النساء والاطفال طالبين الرحمة ولكن دون جدوى. وهكذا احترق الجميع وتحول الكهف الى قبر جماعي ضم 24 امرأة و5 فتيات و21 طفلة و16 طفلا وشيخا واحدا .
وبعد صدور بيان 11 اذار 1970 وتوقيع الاتفاق، لعب حزبنا دورا متميزا في تقريب وجهات النظر بين الطرفين وكان للرفيق عزيز شريف دور مشهود في ذلك .
كان الاتفاق بين السلطة والحزب الديمقراطي الكردستاني قد حدد مدة 4 سنوات ليتم فيها تنفيذ بنود اتفاقية 11 اذار. وساهم الحزب الديمقراطي الكردستاني في الحكومة بخمسة وزراء. وتم تعيين 12 فوجا من الپيشمرﮔة كحرس للحدود تدفع السلطة رواتبهم. كما تم تعيين محافظين واداريين لمحافظات اربيل وسليمانية ودهوك ونائب للمحافظ في نينوى من الاكراد .
حرصت السلطة على تحييد الحزب الديمقراطي الكردستاني ، في حين كانت توجه ضرباتها ضد حزبنا. ولكن لم تؤدي اتفاقية اذار، التي لعب حزبنا دورا مشهودا فيالتوصل اليها، في تقريب وجهات النظر بين الطرفين. ولم تفرز الإتفاقية اي تغيير في موقف السلطة تجاه الحزبالشيوعي، إذ واصلت مسلسل الاعتقالات والملاحقات والاغتيالات ضد الشيوعيين. فقد جرى إغتيال محمد الخضري ليلة 20 اذار 1970 وهو في طريقه لحضور احتفال بمناسبة صدور بيان اذار. كما جرت تصفية العديد من الرفاق تحت التعذيب في قصر النهاية ومنهم الرفاق كاظم الجاسم وعلي البرزنجي وعزيز حميد وعبد الامير سعيد واغتيال الرفاق شاكر محمود وستار خضير وصالح احمد ومصطفى ظاهر .. الخ .
ومنذ مطلع عام 1971، شنت الاجهزة الامنية حملة ملاحقات شرسة ضد منظمات الحزب وكوادره ، فأضطر عدد من الرفاق الى ترك مدنهم والتوجه الى مقرات الانصار في بالك ( برسرين ). اما في مدينة الموصل وبرطلة وبحزاني، فقد ترك عشرات الرفاق عوائلهم والتجأوا الى مقر الانصار في بيرموس ، وتجاوز عددهم ستين ( 60 ) رفيقا. وفي نفس الوقت شنت السلطة حملة عسكرية على رفاقنا في القوش ولم يتدخل منتسبو الحزب الديمقراطي الكردستاني في المواجهة المسلحة التي حدثت بيننا وبين السلطة ، بأعتبارهم كانوا حلفاء لها ويساهمون في الحكومة . بعد ذلك الصدام، فرض على انصارنا الكف عن زيارة عوائلهم في القوش الا نادراً وفي الليل .
في اب 1970 عدت من موسكو بعد انتهاء الدراسة الحزبية. وكانت حركة رفاقنا وتنقلهم بين المدن والمحافظات بقدر لا بأس به الحرية والامان. وتوجهت برفقة الرفيقين لازار ميخو ( ابو نصير ) وشعيا اسرائيل الى دركله لحضور المؤتمر الثاني ، بعد ان تم تزويدنا بهويات مزوره كمعلمين .
وفي اوائل ايلول 1970 انعقد المؤتمر في منطقة قريبة من دركَلة، حيث شيدت ( كبرات ) للرفاق تحت حماية ورعاية الانصار من قاطع بالك. وجاء انعقاد المؤتمر كتتويجاً لنشاطات تحضيرية واسعة شملت الميادين السياسية والتنظيمية والفكرية. وكان قد سبقه المؤتمر الاول لمنظمة اقليم كردستان 1969، وانتخبتُ فيه مرشحا للجنة الاقليم .
حضر المؤتمر( 102 ) مندوبا. وقبل انعقاده استشهد احد المندوبين تحت التعذيب وهو الرفيق عبد الامير سعيد. استمرت اعمال المؤتمر ثمانية ايام نوقش فيه العديد من القضايا المهمة .
اثناء إنعقاد المؤتمر، ابلغت بقرار سحب الرفيق شعيا اسرائيل، وكان نائبا لامر قوتنا الانصارية، للعمل ضمن تنظيمات الخط العسكري ( الخاص ) في الفرقة الثانية في كركوك .
اعتبرت ذلك القرار ارتجاليا، حيث إتُخذ دون استشارة الرفاق ذوي العلاقة المباشرة بالرفيق شعيا. واستغربت حينها الاصرار على تكليف رفيق مكشوف ومعروف ونشط لسنوات طويلة في مجال العمل الانصاري ، بمهمة تتطلب السرية العالية. ان البقاء في مدينة مثل كركوك بلا اي عمل سيثير لوحده الشكوك ، اضافة الى ان نسبة كبيرة من سكنة المدينة هم من الاثوريين ومن معارف الرفيق شعيا، ولاغلبهم معلومات وافية عنه .
قيل لي لا مجال للنقاش ، وان قرار الخط العسكري ملزم التنفيذ. لم تمض فترة، حتى كثرت الاحاديث في كركوك عن شخص يدعى شعيا يعمل مع العسكر دون ان يعرفوا عنوانه .
كتبت رسالة الى الرفاق في المكتب السياسي ، وكنت قبل ذلك قد نبهت احد الرفاق من قيادة العمل في الخط العسكري حول هذا الموضوع، اوضحت في الرسالة وضع شعيا وانكشاف امره عند جماهير كركوك وخطورة بقائه ضمن الخط العسكري واقترحت نقله فورا دون أي تردد قبل فوات الاوان. إلا أنه لم تتخذ أية اجراءات وقائية.
تمكنت المخابرات من نصب كمين للرفيق شعيا واعتقلته. ولم يستطع تحمل التعذيب، ولقلة تجربته انهار وسلم مالديه من معلومات. وعلى اثرها اعتقل العديد من العسكريين منهم ن.ض. بولص هرمز وصليوا بويا علي بك وهم من اهالي عينكاوة ، واعتقل الرفيق علي البرزنجي ( عضو ل.م ) حيث استشهد تحت التعذيب .
وفي حديث لي مع الرفيق المسؤول عن الخط العسكـــري، وهو في عضو المكتب السياسي ، بعد اعتقال شعيا من قبل المخابرات، قال الرفيق كنا على وشك نقله ولكن المخابرات سبقتنا !!. وبهذه البساطة برر هذا الرفيق وقوع تلك الكارثة .
وهكذا تتكرر اخطاؤنا. ولعدم اجراء محاسبة للمسؤولين عن تلك الاخطاء، تبقى النتائج المأساوية تلاحقنا بأستمرار. إن اسلوب تبرير الاخطاء في الحياة اليومية الاعتيادية هي عادة سيئة، الا انه في العمل السياسي وخاصة السري منه فهي عادة قاتلة .

(1) الفريق حردان التكريتي ، وزير الدفاع في اول تشكيلة وزارية بعد انقلاب تموز 1968 اغتيل من قبل مخابرات صدام في الكويت . صدرت مذكراته في بيروت .
( الفصل الخامس والاخير من الجزء الاول من مذكرات حردان عبد الغفار التكريتي ، يمكن الاطلاع على المذكرات من موقع الارشيف العراقي في الدانمارك ) ( موقع الناس )
.

أوراق توما توماس ( 12 )

محلية نينوى ودهوك عشية انقلاب البعث
في شباط 1968 وصل الرفيقان زكي خيري وعمر علي الشيخ الى القوش في طريقهما الى سوريا. كنت حينها في البلدة حيث بتنا فيها تلك الليلة، وغادرنا صباحا نحو مقرنا في بيرموس. كانت رحلة شاقة ، فالطريق التي اعتدنا قطعها بساعتين ، قطعناها هذه المرة بست ساعات لصعوبة الطريق على الرفيقين وخاصة الرفيق زكي.
وجدتها فرصة ثمينة لافاتح الرفيق عمر الشيخ بفكرة مساعدتنا لتطوير عملنا الانصاري، وكالعادة لم احصل على اي رد او حتى رأي خاص بهذا الموضوع.
لكنه سألني : كم نصيرا نحتاج ؟ اجبته : 200 نصير سيشكلون قوة لا يستهان بها. وبأمكان هذه القوة تطوير تنظيماتنا الحزبية ، ويكون لها تأثير ودور فعال في حالة حدوث اية انعطافات في الوضع السياسي، خاصة وان هناك الكثير من المعطيات التي تشير الى ان الوضع لا يمكن ان يبقى على ما هو عليه. سكت الرفيق ولم يعلق بأي شئ .
كانت الاسئلة تتزاحم على مخيلتي. ألم يكن لنا دور في اقناع السوفييت لدعم الثورة المسلحة الكردية ؟ فما المانع في مفاتحتهم لدعمنا بالقليل مما يقدمونه للكثيرين ؟ هل حقا أننا لم نصل الى قناعة نحسم بها اي الطرق الواجب ان نسلكها في نضالنا ؟
ومن بيرموس خصصنا مفرزة وحيوانات لنقل الرفيقين الى فيشجابور، وارسلنا معهم الرفيق صباح للعلاج بعد اصابته بطلق ناري في عينه.
لعب الانصار الشيوعيون دورا اساسيا في استنهاض العمل الحزبي، في محلية نينوى ودهوك وحققوا نجاحات كبيرة في دهوك وزاخو. ففي خلال فترة قياسية اعيد بناء تنظيمات مدينة الموصل واقضيتها ونواحيها كالشيخان والقوش وتلكيف والحمدانية وبحزاني وتللعفر وسنجار.
وبعد الكونفرنس الثالث للحزب تم سحب الرفيق احمد كريم من مهمته كسكرتير للمحلية، بسبب مواقفه من الانشقاق، وترك للجنة المحلية انتخاب سكرتير لها من بين اعضائها، فتم في بداية عام 1968 انتخاب الرفيق عادل سليم ( ابو شوان ) وكان حينها عضوا في مكتب المحلية، سكرتيرا لمحلية نينوى ودهوك .
الرفيق عادل سليم ( ابو شوان ) سكرتير محلية نينوى ودهوك
على ضوء توجيهات الحزب الى لجان المناطق والمحليات لعقد كونفرانساتها المحلية لانتخاب اللجان القيادية من خلالها ، عقدت كونفرنسات للاقضية كي يُنتخب فيها مندوبين لكونفرانسات المحليات .
كانت لنا حينذاك قاعدتان للانصار تم توحيدهما. وعقد كونفرانس لقوتنا الانصارية جرى فيه انتخاب لجنة عسكرية وحزبية قيادية للانصار، حيث تم انتخابي مسؤولا عسكريا للانصاروشعيا اسرائيل مساعدا للمسؤول وعلي اصفر جرجيس مسؤولا للمالية والادارة وشمعون ككونا مسؤولا سياسيا ودنخا البازي عضوا في اللجنة، اضافة الى رمزي بولص مسؤولا سياسيا للفصيل الاول وهاشم عناز مسؤولا سياسيا للفصيل الثاني .
وعقدت جميع اللجان في الاقضية كونفرانساتها وانتخبت لجانها القيادية ومندوبيها الى الكونفرانس الثاني لمحلية نينوى ودهوك، والذي عقد في اب 1968 بأشراف الرفيق احمد بانيخيلاني ممثلا عن مكتب اقليم كردستان. وقد حضر ذلك الكونفرانس (24) رفيقا مندوبين عن لجان الاقضية في نينوى ودهوك، هم الرفاق عادل سليم و محمد سواري وعبد جمعة وتوما القس وشعيا اسرائيل ولازار ميخو وعلي خليل ودنخا البازي ويوخنا توما وشمعون ككونا وعلي اصفر وحسين كنجي والياس الصفار وصديق عقراوي وسالم يوسف وعارف رشيد وصديق بامرني وعزت عمادي وخليل خدر وجوقي سعدون اضافة لثلاثة رفاق من الداخل وكاتب هذي السطور .
ناقش الكونفرنس طبيعة انقلاب 17 تموز والعلاقة مع قيادة الحركة المسلحة الكردية والحزب الديمقراطـــــي الكردستاني وضرورة تعزيزها، ورفع المندوبون توصية لقيادة الحزب بأهمية استمرار التعاون مع الحركة وقائدها البارزاني وتأييدها ودعمها بأعتبارها حركة تناضل من اجل الحقوق القومية للشعب الكردي ومن اجل الديمقراطية للعراق .
وتم انتخاب اللجنة المحلية الجديدة وتكونت من الرفاق : عادل سليم ـ سكرتيرا وتوما توماس ومحمد سواري ـ كعضويّ مكتب ، وتوما القس وعبد جمعة ولازار ميخو وصديق درويش و دنخا البازي ويوخنا توما وشعيا اسرائيل كأعضاء للجنة المحلية وعلي خليل كمرشح للمحلية .
بعد الكونفرنس ارسل الرفيق شعيا اسرائيل للدراسة في الاتحاد السوفياتي لمدة سنة .
بعد ذلك وعلى ضوء قراراللجنة المركزية بعقد المؤتمر الثاني قبل نهاية عام 1970 ، تقرر عقد كونفرانسات لدراسة الوثائق (النظام الداخلي والبرنامج والتقرير السياسي ) وانتخاب المندوبين الى المؤتمر حسب النسبة المقررة. وقد تم عقد كونفرانس المحلية في مقر الانصار في بيرموس وبأشراف الرفيق توفيق احمد ممثلا عن اللجنة المركزية للحزب ، تم فيه انتخاب الرفاق حازم جميل وتوما توماس ولازار ميخو كمندوبين وشعيا اسرائيل كمراقب، اما الرفيق عادل سليم فقد حضر المؤتمر مندوبا عن لجنة الاقليم .
وفي حزيران 1969 عقدت لجنة اقليم كوردستان مؤتمرها الثاني. وكان من المقرر ان احضره كمندوب عن محلية نينوى ودهوك مع الرفاق عادل سليم ومحمد سواري وتوما القس. ولكن التزاماتي العسكرية حالت دون ذلك.
في هذا المؤتمر تم ترشيحي لعضوية لجنة الاقليم، وتقرر ارسالي مع الرفيق عادل سليم للدراسة الحزبية الى الاتحاد السوفياتي لمدة سنة. و نسب الرفيق حاجي سليمان (ابو سيروان ) لقيادة اللجنة المحلية في نينوى ودهوك والرفيق شعيا اسرائيل لقيادة القوة الانصارية ، بعد رجوعهما من الدراسة الحزبية .
في 13/8/1969سافرت الى موسكو للدراسة الحزبية لمدة سنة. وفي طريقنا الى ديرابون بغية العبور الى سوريا ونحن في السيارة، وقعنا في كمين لمسلحي مجموعة جلال الطالباني ما بين قرية باختمي وبدلية، حيث اوقفوا سيارتنا وكنا خمسة رفاق بملابس مدينة وسألوا السائق عنا فأجابهم بأننا معلمون نلتحق بمدارسنا فسمحوا لنا بالمرور .
التحاق غازي حجي ملو بالسلطة عام (1968)
تنتشرعشيرة المزوري في القرى المحيطة بدهوك خاصة من جهة الشرق. ويقود هذه العشيرة  شيوخ بريفكا وعائلة حجي ملو.
وأدى خطف علي حجي ملو لابنة الشيخ نوري والزواج منها الى إندلاع خلاف دموي بينهما ، تسبب في سقوط ضحايا من الطرفين. وتمكنت عائلة الشيخ من اغتيال عبد العزيز حجي ملو في كمين نصب له قرب قرية بيدول .وعند ألتحاق عائلة حجي ملو ومن يتبعها من المزوريين بالثورة المسلحة الكردية منذ انطلاقتها، التحقت عائلة الشيخ ومن يتبعها ، كرد فعل،  بالسلطة وجُندوا في الافواج الخفيفة (الجحوش ). وقد ذكرت سابقا ان البارزاني امر بحرق قريتهم بريفكا ، فأنتقلوا الى الموصل منذ عام 1962 .
في عام 1967 قرر الشيخ جلال والشيخ صديق الالتحاق بالثورة الكردية، وانتقلا للاستقرار في قرية تل خشف (1)، الامر الذي دفع بغازي حجي ملو لاتخاذ قرار الالتحاق بالسلطة .
ولم تفلح جهود مسؤولي الپيش مرﮔة في المنطقة، خاصة حسو ميرخان وعيسى سوار، في اقناع غازي للتراجع عن قراره . فانتقل غازي مع مقاتليه الى قريةً دزي (2) القريبة من اتروش، واتخذ احتياطاته بحفر الخنادق والمواضع العسكرية ، واقام عدة ربايا احاطت بمقره ، كانت مهمتها ادامة الاتصال بينه وبين سرية الجيش المعسكرة قرب جسر اتروش - عين سفني .
وبأستقرار مقاتلي غازي في قرية دزي عُزلت منطقة الدشت عن مقر حسو، الا انهم لم يحاولوا  التصادم مع الپيش مرﮔة او حتى مع اعدائهم من مسلحي الشيخ .
ارسل غازي لي رسالة يقول فيها : " اننا اولاد العم يجب ان يساعد احدنا الاخر "، ويطلب منّا الالتحاق به .  درست المحلية تلك الرسالة وتقرر الاجابة عليها بأسلوب مرن، حيث اكدنا بأننا نعتز بعلاقتنا به ، لكن حينما يتعلق الامر بالثورة والشعب، فنحن لانحيد قيد شعرة عن مبادئنا وسنعمل بما يخدم المصلحة العامة، واننا مستعدون للمساعدة في حل الخلاف بينه وبين الحركة المسلحة.
اصبحنا القوة الوحيدة في المنطقة بالاضافة الى مجموعة من الكوجر وجماعة الشيخ  المستقرة في قرية تل خشف ، وهي بعيدة عنا قرابة ساعتين سيرا على الاقدام .
ابلغنا حسو ميرخان بالوضع الجديد ورأينا الانسحاب من المنطقة. ونظراً لتأخر جوابه، قررنا التوجه الى مقره عبر دهوك. وصل الى علمنا ونحن في الطريق في قرية دوستكا ان حسو متوجه الى مقرنا في بيرموس، ويطلب منا انتظاره .
لم يتأخر وصول حسو ، وحل ضيفا على مقرنا لمدة اسبوع التقى خلاله مع جميع مسوؤلي البيشمركة ورؤساء العشائر ومختاري القرى في المنطقة ثم توجهنا الى منطقة دزي حيث قوة غازي .
تقرر التحرك بأتجاه دزي لطرد مقاتلي غازي ولغرض فتح الطريق امام البيش مركة في تحركهم نحو منطقة الدشت .
اتخذنا مواقعنا في الجبل المطل والمسيطر على دزي من جهة الجنوب، اما عيسى سوار فقد كان بإنتظارنا  مع الپيشمرﮔة في قرية بيبوزي شمال غرب اتروش.
توجهنا ( حسو وانا ) نحو بيبوزي، حيث عبرنا الجسر ليلا من قرية بيدول شمال غرب دزي .
كان الحرس الخاص يحيط بعيسى سوار على شاكلة الاغوات. وكان عيسى سوار في تصرفاته وتعامله مع الاخرين يختلف كليا عن حسو ميرخان الذي يتميز ببساطته. وحينما قدم لنا العشاء، وكان يكفي لفصيل كامل من الپيشمرﮔة ، لم يشارك سوى حسو وانا واثنان من المقربين من عيسى. وبعد انتهائنا اخذ المتبقي من الطعام الى غرفة الحرس الخاص. وبعد انتهاء هؤلاء تم تقديم المتبقي الى الپيشمرﮔة. استغربت من تلك التصرفات، وشعر حسو بما افكر فيه، فأكتفى بأن ابتسم لي بطريقة تشير الى إستغرابه هو الاخر من هذا التصرف  .
في صباح اليوم التالي، قمنا بأستطلاع اخير لمواقع مقاتلي غازي. اذ كانت لهم ربيئة تشرف على مقرهم مباشرة من ناحية الجنوب ويوجد فيها 12 مسلحا، وربيئة اخرى على تل مخروطي فوق النهر بأتجاه الشرق وتشرف على طريق اتروش. اقترحت بأن ننطلق للسيطرة على الربيئتين وتطويق أفرادها واجبارهم على الاستسلام. رفض كل من حسو وعيسى المقترح، على اعتبار ان فرض الحصار عليهم سيجبرهم على القتال. كانت رغبة حسو وعيسى غير ذلك ، وربما كانت التوجيهات العليا لهما، تنص على إزاحة مقاتلي غازي من المنطقة وفسح المجال لهم للالتحاق بالسلطة وبأقل الخسائر.
ولهذا السبب تغيرت خطتنا، واقتصرت على فرض السيطرة على الربيئة الرئيسية المشرفة على مواقعهم والمباشرة من هناك بقصفهم بالمدفعية مع ترك الجبهة الشرقية مفتوحة لهم كي يتسربوا منها نحو اتروش بدون قتال  .
عقد حسو في المساء اجتماعاً عسكرياً حضره حسب ما اتذكر كل من مهدي وفيصل نزاركي ونعمو صمد وشيخ محمد ربتكي وفارس كوره ماركي وغيرهم .
تحدث حسو حول الخطة بإحتلال الربيئة وفرض الانسحاب على مقاتلي غازي من دزي بالقصف المدفعي. رفض بعض الحاضرين المشاركة في العملية لرغبتهم في إبقاء علاقاتهم مع عشيرة المزوري على وضعها، الامر الذي اثار امتعاض حسو وأنهى الاجتماع بسرعة وصرفهم جميعا .
بقيت انا وشيخ محمد ونعمو. فأعلن حسو بأنه سيقوم بالعملية لوحده، وطلب مني مساعدته فقط بقاذفتي البازوكا مع رماتها. اجبته لابأس ان تأخذ القاذفتين ام الرماة فأنا لا اوافق، لاني متأكد بأنك غير جاد بقرارك، انما هو لاحراجنا. واستطردت أنه لا مانع لدينا من تنفيذ العملية فهي بسيطة جدا والربيئة المقصودة معزولة ولا تحتاج للسيطرة عليها اكثر من 15 مقاتلا .
بدا الارتياح واضحا على حسو وقال : ان حرسي الخاص تحت تصرفك .
وابدى نعمو وشيخ محمد ربتكي رغبتهما بالمشاركة ايضا. وزعت العمل بإرسال شيخ محمد ومجموعته الى قمة الجبل جنوب موقع غازي لمنع وصول اي دعم لهم من السلطة. اما نعمو ومجموعته فأبقيتها للاحتياط ، لتتقدم ، بعد سيطرتنا على الربيئة ، الى السلسلة الجبلية المشرفة على مواقع غازي للضغط عليها .
في الساعة الرابعة والنصف فجر ليلة ماطرة وحالكة الظلام، تحركنا لتنفيذ العملية وكنا 15 نصيرا فقط. وفي الساعة الخامسة، انطلقت اول قذيفة بازوكا لتصيب الساتر الامامي للربيئة فقلبت التراب على رؤسنا. ثم توالت القذائف لتصيب احداها جانبا من الربيئة التي كانوا يستخدمونها كموقع استراحة فأشتعلت فيها النار. عندها انطلقنا بأتجاه الربيئة لاجبارهم على تركها والانسحاب الى مقرهم في دزي دون خسائر.
انتهت مهمتنا بعد أقل من نصف ساعة. وبدأت مهمة الاخرين، إذ تحرك نعمو صمد ومجموعته وحسو ومجموعته وعيسى سوار ومجموعته من جوانب متفرقة، فتم تضييق الحصار عليهم. وحينما باشرت المدفعية بقصف مواقعهم في القرية، بدأ المزوريون بالانسحاب في الساعة السادسة صباحا نحو الشرق الى اتروش .
بعدها دخلنا مقرهم ، ولم نمكث فيه الا وقتا قصيرا . ثم توجه عيسى سوار الى مقره في زاخو. وانطلقنا بدورنا الى مقرنا في بيرموس .
على مدى سنوات طويلة وقاسية، تحتم علينا نحن الانصار الشيوعيون العمل تحت أمرة مسؤولي الحركة المسلحة الكردية في مناطق تواجدنا، بسبب ضعف امكانيات الحزب في مجال العمل الانصاري، والاقتناع بما كان موجودا فعلا، دون التفكير جديا بتطويره وتعزيزه بالرفاق والسلاح .
فلم يكن يحق لاي كان تأسيس مقر لمجرد الاحتماء فيه، بدون قرار من قيادة الحركة المسلحة الكردية. فما بالك بتشكيل مفارز انصارية متحركة في المنطقة وتتصل بجماهيرها وتدعم تنظيماتها الحزبية .
ولكوننا قوة عسكرية تابعة لمسؤول المنطقة، كان علينا الاشتراك في العمليات العسكرية التي يحتاجوننا فيها دون ان يكون  لنا خيار اخر.
وليس سرا فإن عدداً من المعارك لم يكن لها أية دوافع او مبررات سوى الخلافات العشائرية التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل. وكانت الخلافات وما يتبعها من صراعات كنتيجة لإنتقال عشيرة من العشائر ، من احد طرفي الصراع الى الطرف الاخر ، وكان هذا يحصل بأستمرار. إضافة الى ذلك ، فقد حدثت صدامات مسلحة في بعض الاحيان اثر اتفاق مسبق بين مسؤولي عشيرتين احدهما مع السلطة والاخر ضدها. وفي كل الحالات كانت قوتنا الانصارية تُستدعى لتشارك في اعادة موازين القوى لصالح الثورة.
ـــــــــــــ
(1) تل خشف تقع في السهل بين فايدة وخوركي وكلي بندوة .
(2)  تقع دزي في دشت اتروش في جنوب غربها على طريق دهوك ـ اتروش الجديد تعتبر من املاك عشيرة حجي ملو ، تسكنها عوائل مسيحية من اهالي ميركَة ، احرقتها السلطة لعدة مرات .

أوراق توما توماس ( 11 )

عزيز الحاج يعود من الخارج ويقود انشقاقا في الحزب

في اواسط عام 1966 وصل الرفيقان زكي خيري وكريم احمد الى مقرنا في بيرفكا قادمين من سوريا، ويرافقهما الرفيق علي البرزنجي، وكانوا في طريقهم الى مقر الاقليم في بالك . تأمل الانصار في المقر خيرا، حينما لمحوا مع الرفاق بغلين، فتوقعوا ان حمولتهما سلاح وعتاد بلا شك !! ولكن سرعان ما خابت آمال الجميع ، حيث لم نستلم الا ناظور ميداني متوسط .

شكلت مفرزة وانطلقنا، وكلفنا الرفيق وردة حنا (1) للاهتمام بالرفيق زكي ومساعدته خاصة وان الطرق التي نسلكها جبلية ووعرة. ومع ذلك فقد تدحرج الرفيق مرات عديدة كانت اخطرها في الطريق الى دشت زيبار عبر ﮔلي بانيا .
استغرقت تلك الرحلة ثمانية ايام ، حيث وصلنا مقر الاقلبم ، وكان حينذاك بقيادة بهاء الدين نوري .

وفي اواخرعام 1966 بلغني الرفاق في قيادة الحزب، بالتهيؤ لاستلام عزيزالحاج العائد عبر سوريا ، وايصاله الى سوران. فأرسلت مفرزة الى الحدود لاستلامه ومرافقته حتى مقرنا في بيرموس .
بعدها تهيأت مفرزة اخرى لمرافقته في الطريق الى سوران، لكنه رفض التوجه الى الاقليم، حينما علم بوجود بهاء الدين نوري هناك. وقال عزيز الحاج انه لايرغب بالعمل مع مهندس خط آب، وطلب ارساله الى بغداد مباشرة .

اخذته معي وبحماية مفرزة مسلحة مكونة من 15 رفيقا من الانصار الى دارنا في القوش، بغية تأمين سفره الى بغداد. ولم يكن الوصول الى بغداد بالامر الصعب، فقد كان احد سواق ( النيرن ) من اصدقائنا المعتمدين، وسبق له ان نقل العديد من الرفاق القياديين الى بغداد و منهم الرفاق زكي خيري و كريم احمد و توفيق احمد .. واخرين.
في تلك الليلة كان القلق من الرحلة المرتقبة واضحا على عزيز الحاج. ومنذ الصباح الباكر اصر على مغادرة البلدة، فاضطررنا الى الانتقال الى دير السيدة والبقاء فيه حتى غروب الشمس .

طلب عزيز مقابلة السائق مرة اخرى ليتأكد بنفسه من سلامة الطريق، وبدأ بطرح سيل من الاسئلة ، فلم يتحمل السائق ، فأنتفض مذكرا الجميع بأنها ليست المرة الاولى ، فقد سبق له ان نقل اغلب قادة الحزب. ونظراً لذلك فقد تغيرت الخطة، حيث تقرر أن يتظاهرعزيز كمساعد للسائق ( سكن )، وزودناه ببدلة زرقاء متسخة ليلبسها، وكان عليه النزول بسرعة كلما تتوقف السيارة، وخاصة في نقاط التفتيش، للانشغال بفحص الاطارات ، أو بوضع خشبة صغيرة امامها، لحين انتهاء التفتيش . وافق عزيز، وفعلا اوصله ذلك السائق الى الدار التي ارادها .

فوجئنا ببيان اصدره الحزب واذيع من اذاعة صوت الشعب العراقي يندد بالمنشقين ويدعو المغرر بهم من رفاق الحزب للتخلي عن المنشقين والعودة الى حزبهم .
كانت محلية نينوى ودهوك بعيدة عما يجري في منظمات الحزب الاخرى من صراعات لانشغال معظم الرفاق بالاوضاع في كردستان ومتطلبات العمل المسلح من خلال تواجد اغلبهم ضمن تشكيلة الانصار، حتى حدوث الانشقاق وتشكيل القيادة المركزية .
وبالنسبة لوحدات الانصار، تشكل الانشقاقات مخاطر وخيمة جدا، قد تؤدي الى صدامات مسلحة والمزيد من المآسي . كما انها تؤدي الى تراجع في امكانيات الانصار وبالتالي الى نهايتها تماما .
لذا كان لابد من اتباع اقصى درجات المرونة في التعامل مع حالات عديدة تعكس اختلافات فكرية. هذه المرونة ربما ندر حدوثها في منظمات الحزب الاخرى.

لم يكن الوضع الفكري في الحزب مستقرا. فسياسة خط اب 64 تركت اثارا سيئة. وكرد فعل على تلك السياسة سادت منظمات الحزب افكار يسارية متطرفة. اذ راح البعض يدعو الى القيام بأغتيالات فردية او بتنفيذ تفجيرات، كانت ستؤدي الى عزل الحزب عن الجماهير. ورغم قناعتنا بأن الصراع الفكري لم يجر احتواءه بشكل مناسب ومبدئي داخل الحزب، الا ان ذلك لا يبرر الانشقاق، كوسيلة لحسم الخلافات الفكرية .

كان الحزب حينذاك، القوة السياسية البارزة المهددة لسلطة عارف الثاني. ولم يكن للحزب منافس في الساحة السياسية للبلاد. فقد انتعشت الحركة الطلابية وحققت انتصارات غير قليلة. اذ نظم فرع اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية في كلية الاداب احتجاجا على تعيين الخريجين معلمين في المدارس الابتدائية. وقمعت الحكومة هذا الاحتجاج بإطلاق النار على الطلبة مما ادى الى مساندة باقي الطلبة لهم والقيام بإضراب عام ساندته الجماهير ودام (13) يوما، حيث رضخت الحكومة على اجراء الانتخابات الطلابية عام 1967 . وجاءت قائمة التحالف الشيوعي الديمقراطي في مقدمة جميع القوائم الاخرى من القوميين وغيرهم.
ان هذا التطور الذي حصل في الساحة السياسية والتقدم الذي احرزه الشيوعيون والديمقراطيون ارعب السلطة، التي اعتبرت ان الانتخابات غير شرعية وقامت بإلغائها. ولم تقتصر تلك النجاحات على الطلبة وانما شملت المنظمات المهنية كالمعلمين والمهندسين والمحامين رغم الضغط والتزوير الذي مارسته اجهزة السلطة ضدهم والجو الارهابي الذي فرضته تلك الاجهــــــزة ضد الديمقراطييـــــــــن . كما عمت العراق انتفاضات ضد الاقطاع وتجاوزات الملاكين، وجرت صدامات مسلحة بين الشرطة والفلاحين في الحي قتل فيها عدد من افراد الشرطة. وتصاعدت في نفس الفترة الاضرابات العمالية ومنها اضراب الالاف من عمال معامل النسيج ومعامل شهداء الجيش والمشروبات الغازية … الخ .

ان تصاعد النضال الجماهيري، وتصّدر الشيوعيين له كان ينبئ بإنهيار حاسم في السلطة. ولم يكن للبعث حينها اي دور ملحوظ ، بل كانت سمعة البعث السيئة نقطة ضعف تلاحقه دائما. الا ان البعثيين وبما عرف عنهم من قدرة على التآمر، تمكنوا اعتمادا على مجموعة من ضباط القصر من الاطاحة بعبد الرحمن عارف في انقلابهم في 17 تموز 1968 ، ولينفردوا بالسلطة في 30 تموز اثر الغدر بحلفائهم من الضباط .

أدت تلك المغامرة اليسارية التي قادها عزيز الحاج الى إلحاق افدح الخسائر بالحزب، واودت بالتالي بحياة المئات من خيرة الكوادر الشيوعية.
وبالمقابل لا يمكن تبرير الموقف الذي اتخذه الحزب ازاء الحملة الشرسة التي شنها نظام البعث ضد المناضلين الشيوعيين. اذ لم يبد الحزب اي موقف احتجاجي واضح ضد تلك الحملة، في وقت كان بالامكان اعتبارهم قوة ديمقراطية معارضة تتعرض للقمع والموت على يد حكام فاشيين، ما زالت انهارالدماء التي تسببوا بها في شباط 1963 لم تجف بعد .
وقد عاد العديد من الرفاق الذين التحقوا بالقيادة المركزية الى حزبهم، ومازالوا يواصلون نضالهم. وتبوء قسم منهم المراكز القيادية، وشارك قسم اخر في النضال في صفوف الانصار الشيوعيين، ومنهم من استشهد في كردستان .

كان قرار تبني الكفاح المسلح الذي إتخذه المنشقون في الاهوار قراراً ارتجاليا، ودون حساب للظروف الذاتية والموضوعية. فلم تكن هنالك امكانية واقعية لاستمراره وتطويره. فطبيعة المنطقة هناك لا تماثل كردستان، اضافة الى الجانب القومي الذي كان اساسيا في انطلاق الثورة الكردية وديمومتها من خلال رفدها على الدوام بالدم الجديد .
كان القرارمجرد مجازفة ادى فشلها الى نكسة حقيقية للحزب، ومهدت الطريق امام قوى الردة بالوصول الى الحكم ثانية .

قبل الانشقاق لم تكن تخلو محلية نينوى ودهوك من الافكار اليسارية. فالرفيق احمد كريم سكرتير اللجنة المحلية كان من حاملي تلك الافكار، وكنت انا كذلك من المتعاطفين معها، إضافة الى الرفاق توما القس وسالم يوسف وحبيب يوسف تومي واخرين في بعض الاقضية. الا ان الالتزام بالوحدة الفكرية والتنظيمية للحزب كان في مقدمة توجهاتنا. ولذا لم يلتحق بالمنشقين سوى رفيق واحد من الانصار وهو الرفيق حبيب يوسف تومي، وهيئة قاعدية من ( 5 ) رفاق في قضاء الحمدانية ( برطلة ) .

ارسل عزيز الحاج رسلاً الى اغلب المنظمات الحزبية داعيا للالتحاق بتنظيمه. ولم يستثني الانصار من دعوته تلك . فقد ارسل لي رسالة خاصة عبر احد اقاربي، يطلب فيها ارسال خمسة عشر (15 ) نصيرا الى بغداد مع اسلحتهم ( بنادق اوتوماتيكية ) لدعم الكفاح المسلح. استغربت هذا الاسلوب الفج، فعلى اية اسس اعتقد عزيز الحاج انني متفق مع الانشقاق؟ ومتى كنت تابعا له لانفذ اوامره؟ وقد قدمت تلك الرسالة الى اللجنة المحلية التي ادانتها، ثم تم ارسالها الى مكتب الاقليم.
درست اللجنة المحلية في اجتماعها اوائل تشرين الاول 1967 في مكتب المحلية في قرية ( جمانه ) المزوري موضوع الانشقاق وادانته، واستنكرت سلوك قادته بعدم الرجوع الى الطرق المبدئية في معالجة الخلافات داخل الحزب. ولم يتخلف عن ذلك الاجتماع الا الرفيق توما القس لموقفه المتردد تجاه الانشقاق.

(1) رفيق من اهالي مانكَيش ، عمل في مقر اللجنة المركزية ببغداد اثناء فترة الجبهة ، حاول اللجوء الى اليونان مع ( 28 ) شخصا من مسيحيي العراق ، الا ان زورقهم تعرض لعاصفة بحرية وغرقوا جميعا قبالة احدى الجزر اليونانية .


أوراق توما توماس ( 10 )

خطة السلطة لاعتقالي في القوش
بعد اصدار قرار اعادة المفصولين السياسيين الى وظائفهم، عاد بعض انصارنا الى احضان عوائلهم ومن بينهم ( كوريال بللو ) ، دون ان يقطع صلته بشكل نهائي مع الانصار. فقد كان يشارك في المعارك عند الحاجة، وكانت اخر معركة شارك فيها هي السيطرة على ربايا جبل ( جيا بانك ). وعند عودته من تلك المعركة قرر الزواج والاستقرار في القوش بعد ان سلم نفسه الى السلطة .
كان هذا الشخص اكثر المتطرفين تشدداً تجاه من يشتبه بهم كعملاء ومتعاونين مع السلطة، في مسعى لتأديب الاخرين واخضاعهم. وكان ممن ينتقدون مرونتي في التعامل مع حالات عديدة كانت بحاجة فعلا للمرونة والدراسة بتأني وتمحيص .
كان من المهم عندي هو عدم الضعف في اتخاذ القرارات الهامة والخطيرة، ولكن الاهم كان عدم التسرع والتهور في اتخاذها .
وكان من المهم ايضا الابتعاد قدر المستطاع عن كل ما يثير العداء بين ابناء القوش. لان ذلك هو بالضبط ما يريده المتربصون بها، وستفقد المدينة امكانية المحافظة على امنها ووحدتها، مما يفسح المجال للاخرين للتدخل في شؤونها الخاصة .
و كان هناك بلا شك وعلى الدوام اناس تحولوا الى خدم مخلصين للسلطة، ينفذون توجيهاتها لقاء دريهمات .
عندما ساهمت في النضال الوطني من اجل سعادة الشعب العراقي ، كنت مؤمنا بأن بلدتي القوش هي جزء من هذا الوطن واهلها جزء من هذا الشعب .
فالتريث والمرونة بمعاقبة المتعاونين مع السلطة لا يعود الى كون هؤلاء المتعاونين هم من اهالي القوش. انما كان الغرض منه محاولة اصلاح هؤلاء. وعند إستنفاذ المحاولات، يمكن اتخاذ الاجراءات الاخرى بحقهم وبما يستحقونه فعلا .
ان التعامل مع الاهالي بوسائل العنف واتخاذ اجراءات القمع والقتل والترهيب ، لاتخدم حركتنا بل ربما تتسبب في سقوط ضحايا ابرياء. وبما إننا نعمل من اجل كسب الجماهير بالاقناع ، فإن القوة لم تكن يوما وسيلتنا في ذلك .
كانت السلطة قد تمكنت من جمع معلومات وافية من بعض الذين سلموا انفسهم عن تحركاتي، وعن عدد الانصار في المقر، وعدد الذين يرافقوني اثناء توجهي الى القوش، وعن اسلحتنا ..الخ. وبسبب الاوضاع السياسية الجديدة اصبحت احتياطاتنا ضعيفة بعض الشئ، وفي اغلب الاحيان تقتصر على مبيت نصير واحد في البيت اثناء المبيت ليلا. كل ذلك شجع السلطة على القيام بمحاولة لاعتقالي في القوش .
في يوم 26/7/1969، كنت في زيارة للعائلة وبرفقة (15) نصير من اهالي القوش توزعوا في دورهم ولم يبقى معي سوى نصير واحد هو ( حبيب جيجو). وفي المساء وصلتنا بعض المعلومات بأن المدعو ( سعيد حسقيال تيزي ) (1). فقد اتصل هذا الشخص هاتفيا بالموصل، ليؤكد وجود توما توماس والانصار في البلدة .
في البدء اخذت الموضوع على درجة من الاهمية. فقررنا ترك القوش والتوجه الى قرية بندوه للمبيت فيها، ومواصلة السير صباحا الى المقر في بيرموس ، تجنبا للكمائن ليلا. الا انه طرح مقترح آخر من الانصار في البقاء حتى الساعة الرابعة صباحا، ومن ثم الخروج بأتجاه المقر مباشرة. وافقت على المقترح، وكان ذلك خطأ كبيرا.
في الساعة الثالثة فجر يوم 27/7/19/1969 ايقضتنا احدى جاراتنا وأخبرتنا أنها تسمع اصوات اطلاقات من جهة الجبل. صعدت الى سطح الدار، فتأكد لي ان الرمي كان من الشرق بأتجاه قمة جبل القوش، اضافة الى اطلاق نار من مركز الشرطة بأتجاه الجبل ايضا. وبدا للوهلة الاولى ان قتالا يتواصل بين المركز ومجموعة ما في الجبل. اذ لا يخطر على البال ان لا يكون للشرطة اي علم بتقدم عسكري على القوش .
ولكن من خلال التمعن بما يجري، وارتباطا بمعلومات مساء امس، تأكد لي انه تقدم عسكري يستهدف اعتقالي. لذا قررت الخروج حالا من القوش، وكان من المتوقع جدا بقاء الانصار في البلدة مختفين في سراديبها .
في الرابعة فجرا تجاوزت عتبة الدار، فشعرت بحالة من الراحة والتحرر من قيد، حيث اصبحت حرا في اختيار موقع للقتال. توجهت مع النصير حبيب بأتجاه بندوه من الطريق الوسطي، وبعيدا قليلا عن سفح الجبل تجنبا لكمائن الجحوش. كان صوت اطلاق النار مستمرا. وقبل الانتهاء من البلدة شاهدنا الاخ ( عابد القس يونان ) على تراكتور في طريقه الى البيادر . وفي مقابل بيت ( ياقو كرجي ) انتبهت لاصوات وتحركات غير طبيعية تأتي من وراء بستان للعنب. في البداية تصورت انهم جحوشا من الايزيديون جاءوا للانتقام بسبب حملتهم الاولى الفاشلة. إلا أن احدهم نادى ( تعال هنا ابو خليل)، فعلمت انهم قوة من الجيش. ومن على تل قريبة اطلقنا عدة رشقات بأتجاه تجمع للجنود فتحركوا بسرعة نحو الجبل لاحكام الطوق على البلدة .
كانت الخطة متقنة ودقيقة جدا، ورسمت في دوائر المخابرات لتنفذ من قبل قيادة الجيش في الموصل ، بحيث لا تترك لي اي مجال للخلاص من الطوق. الا انها الصدفة مرة اخرى .
لقد نصت الخطة على :
1- نقل اكثر من الف من جحوش الهركيين من الموصل الى منطقة ( نهيل ) (2) قرب فايدة ليلا. ثم يتقدم هؤلاء سيرا على الاقدام نحو جبل القوش، متجنبين قرى ركافة وتل خشف عرب وتل خشف اكراد ، الى كَلي بندوة ، ومنه نحو جبل القوش دون ان يراهم احد. وفعلا تمكنوا من احتلال جميع القمم المشرفة على البلدة واطرافها .
2 - يتقدم فوج من الجيش تدعمه المدرعات من الموصل الى قرية شرفية التي تبعد عن القوش حوالي خمسة كيلو مترات في الساعة الثانية والنصف فجرا. وبعدها يتقدم الجنود سيرا على الاقدام الى جنوب البلدة ويتم تطويقها من الجهة الغربية وخلق جميع المنافذ فيها .
3 - يرافق جحوش الزيباريين أفراد الجيش بالسيارات حتى شرفية بعدد يتجاوزالالف، ثم يتوجهون الى القوش ومنها الى دير السيدة ودير الربان هرمز لتطويق القرية من الشرق .
يبدو ان مركز الشرطة لم يكن على علم بالعملية. وحينما كان الجحوش يواصلون تقدمهم الى قمة الجبل، وقع عدد من فلاحي المناطق المجاورة في كمين لهم، وكانوا في طريقهم يقودون دوابهم المحملة بمنتوجاتهم الزراعية لغرض بيعها في القوش. ترك الفلاحون دوابهم وهربوا بعد اطلاق النار عليهم. عندها تصور الجحوش في مؤخرة الرتل ان مقدمتهم قد تعرضت لكمين، فبدأوا بأطلاق الناربأتجاة المقدمة. وهذا ما دفع الشرطة للرد بأتجاه الجبل. وهكذا اختلط الحابل بالنابل ، وايقضتنا تلك الضجة .
حاول بعض الانصار الخروج من الجهة الغربية. الا انهم بمجرد الوصول الى البيادر امطرهم الجحوش والجيش بوابل من الرصاص، فأضطروا الى التراجع والاختفاء في السراديب .
اما الشهيد صبري الياس دكالي ( جندو ) (3) فقد كان قد توجه الى دارنا، ليتأكد من خروجي، ثم قرر ترك البلدة. ولكنه وقع في كمين للجنود. وبعد مقاومة بطولية استشهد، وظهر ان تجمع الجنود هو الذي اطلق النار بأتجاه الشهيد .
لم يتوقع احد من الاهالي او من القوات المحاصرة، تمكني من مغادرة البلدة. فتوقعاتهم كانت تشير الى انني ما زلت محاصرا، بعد ان احكم الجيش والجحوش سيطرتهم على البلدة واغلقوا كل منافذها .
توجه قائد الفرقة وهو منتصر الى مقر المطرانية وطلب من المطران تسليمي له مع باقي الانصار دون ان يتجرأ على الاقتراب من داري للبحث عني، وهدد المطران بأنه سيقوم بدك البلدة في حالة عثوره علي اذا فتش البلدة. وقع سيادة المطران في حيرة من امره، ولم ينقذه من تلك الورطة غير الاخ عابد القس يونان حيث اكد له خروجنا صباحا .
عندها تشجع المطران واكد على عدم وجودنا، وطلب من قائد الفرقة الايعاز بالتفتيش، وسيتحمل هو (المطران) مسؤولية النتائج .
رأى ذلك القائد ملامح الثقة على وجه المطران عند حديثه، فقرر سحب قواته الى الموصل قبل ظهر اليوم نفسه.
في بيرموس استنفر رفاقنا عند سماعهم اصوات اطلاق النار في القوش، فتقدموا الى جبل الدير لمساعدتنا. ولكنهم وقبل وصولهم قمة الجبل وقعوا في وسط كمائن الجحوش الذين امطروهم بالرصاص، فتراجعوا بعد قتال مرير. وجرح في هذه المناوشات الرفيق نرسي جرحا خفيفا، فانسحب الرفاق الى بيرموس لعدم امكانية وصولهم الينا .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سعيد تيزي ، معلم من اهالي القوش من عائلة معروفة بمواقفها المناوئة للبلدة والمؤيدة للحكومات المتعاقبة ، عدد منهم ارتبطوا بالحزب الديمقراطي الكردستاني ، وبالبعث فيما بعد 1968، كان عضوا نشطا في حزب البعث .
(2) نهيل .منطقة بين فايدة ومجمع كَريهن ، لايسكنها احد ولا تبعد كثيرا عن المجمع .
(3) صبري الياس دكالي ، من اهالي القوش ، عضو في الحزب الشيوعي العراقي .كان هاربا من الخدمة العسكرية ومختفيا في القوش
__________
اوراق توما توماس من 1  الى 9  اضغط هنا


Print This Post/Page // EMail This Post // 7,585 Views

من موروثنا الشعبي “خاطورتا”

ملحمة غلغامش وتأثيراتها في آداب وأساطير العالم

من موروثنا الشعبي / ار- زالا

من موروثنا الشعبي (كتكاتا )

من موروثنا الشعبي(قرايا )

من موروثنا الشعبي - قطيتا دلوني

من موروثنا الشعبي (ظاهرة رنايا)

من موروثنا الشعبي طليبوتا(الخطوبة)

من موروثنا الشعبي (رندولا ) الحقيبة الجلدية